حين يتحول الغذاء إلى سلاح.. كيف صنعت مليشيا الحوثي بيئة الجوع؟

يكفي تتبع مسار الاقتصاد في المناطق المنكوبة بسيطرة مليشيا الحوثي، خلال الأعوام الأحد عشر الماضية، لفهم أسباب اتساع رقعة الجوع؛ فالأزمة لم تنشأ بسبب نقص الموارد كما تروج المليشيا، وإنما نتيجة سياسات أعادت توجيه الإيرادات العامة لخدمة أولوياتها، وأفرغت مؤسسات الدولة من دورها الاقتصادي والخدمي، على حساب معيشة ملايين اليمنيين.

اعتمدت المليشيا الحوثية نموذجًا اقتصاديًا يقوم على تعظيم الإيرادات وتقليص الإنفاق على المواطنين؛ فمنذ انقلابها أوقفت صرف مرتبات مئات الآلاف من موظفي الدولة، ووسعت نطاق الجبايات والإتاوات على التجار والأسواق ووسائل النقل والقطاعات الإنتاجية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف السلع، وتآكل القدرة الشرائية، وانكماش النشاط الاقتصادي، لتصبح الأسر اليمنية أكثر عجزًا عن تأمين احتياجاتها الأساسية.

هذه السياسات لم تقتصر على استنزاف مصادر الدخل، لكنها امتدت إلى التحكم بملف المساعدات الإنسانية، عبر فرض قيود على عمل المنظمات الإنسانية والتدخل في آليات توزيع المساعدات، في ممارسات وثقتها تقارير أممية ودولية، وهو ما جعل الغذاء في كثير من الأحيان أداة للنفوذ والضغط، بدلًا من أن يكون حقًا إنسانيًا مكفولًا لجميع المحتاجين.

وفي الوقت الذي ترفع المليشيا شعار مواجهة ما تسميه زعمًا "الحصار الاقتصادي"، تكشف الوقائع أن جزءًا كبيرًا من الأزمة المعيشية يرتبط بإدارتها للاقتصاد في المناطق المنكوبة بسيطرتها؛ فكلما اتسعت الجبايات، وتراجعت فرص العمل، وتآكلت دخول الأسر، ازداد اعتماد السكان على المساعدات، واتسعت رقعة الفقر، في دورة اقتصادية كرست الهشاشة بدلًا من معالجتها.

الآثار الكارثية لهذا النموذج كما تنعكس في تعميق الأزمة الإنسانية، تهدد- أيضًا- مستقبل الاقتصاد المحلي؛ فاستنزاف القطاع الخاص، وإضعاف الأسواق، وهجرة رؤوس الأموال والكفاءات، عوامل تقلص فرص التعافي الاقتصادي، وتزيد كلفة إعادة البناء، بينما يتحمل المواطن العبء الأكبر لسياسات جعلت الاقتصاد أداة لخدمة مشروع المليشيا، بينما كان يفترض أن يكون وسيلة لتحسين حياة السكان.

ولهذا؛ فإن اتساع رقعة الجوع في المناطق المنكوبة بالحوثيين لا يمكن فصله عن السياسات التي انتهجتها المليشيا المدعومة من إيران خلال سنوات سيطرتها؛ فما يواجهه ملايين اليمنيين اليوم من مجاعة حصيلة لقرارات اقتصادية وإدارية عمقت الفقر، وأضعفت مصادر الدخل، وحولت لقمة العيش إلى وسيلة ضغط على المجتمع، في واحدة من أبرز صور الاتجار بمعاناة الناس والإمعان في تجويعهم.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية