مثل العام 2011، سلسلة من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تعيشها اليمن، إذ تقوض النظام السياسي، وتوج بالحرب التي أشعلتها ميليشيا الحوثي الانقلابية، في 21 سبتمبر 2014، والتي لاتزال مستعرة حتى اليوم، وانقسمت البلاد إلى كانتونات متعددة للسيطرة السياسية والعسكرية.
 
خسر الاقتصاد اليمني، جزء كبيرا من التكوين الرأس مالي للقطاعين العام والخاص - خلاصة العمل والإنجازات الاقتصادية على مدى الثلاثة العقود الماضية-  وارتفعت فاتورة تكاليف الفرص الضائعة، وانعكست مجمل التداعيات على الوضع الاجتماعي والإنساني.
 
وأكدت دراسة " تأثير الحرب على التنمية في اليمن" الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن مكاسب التنمية في اليمن قد تراجعت لمدة 26 عاماً - أي جيل تقريباُ، وإذا استمرت حتى عام 2030، فستزيد هذه الانتكاسة إلى أربعة عقود.
 
ويمر الاقتصاد اليمني بظروف حرجة للغاية، بسبب الانتكاسات الاقتصادية التي توالت منذ 2011، فمعدلات التراجع التراكمي في المؤشرات والموازين الاقتصادية الكلية وصلت إلى أسوء مراحلها، في ظل الحرب المستعرة وحالة الانقسام في المؤسسات الاقتصادية.
 
وتراجعت قيمة دليل التنمية البشرية لليمن مما كان عليه عام 2001، عائداً إلى الوراء عقد ونصف تقريباً، ما يؤكد الخسارة الكبيرة التي لحقت بالتنمية البشرية في البلاد، وفقاً لتقرير التنمية البشرية الدولي.
 
ووصل دليل التنمية البشرية في اليمن أدنى قيمة له عام 2019، تاركاً البلاد في فئة التنمية البشرية المنخفضة ضمن أدنى 12 دولة في العالم، في المرتبة 178 من أصل 189 دولة عام 2019، في الوقت الذي كانت اليمن عام 2011، تقترب من تحقيق أهداف الألفية للقضاء على الفقر والأمية والأمراض.
 
وأكد تقرير التنمية البشرية الدولي أن اليمن لم يتمكن من المحافظة على المستويات التي وصلها قبل الحرب والصراع بل أنه خسر جزءاً كبيراً من إنجازاته السابقة، وسوف يستغرق الأمر سنوات، إن لم يكن عقودا، حتى تعود اليمن إلى مستويات التطور الذي كانت عليه قبل النزاع.
 
وقالت دراسة أجراها باحثون من مركز فريدريك س. باردي للعقود الدولية المستقبلية، إن خسائر الإنتاج الاقتصادي في اليمن خلال السنوات الخمس الماضية، بلغت 90 مليار دولار، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50 في المائة، وهو واحد من أكبر الانخفاضات في أي مكان في العالم.
  
وتمثلت خسائر الاقتصادي، في الناتج المحلي الإجمالي، والإيرادات العامة، والفرصة الضائعة التراكمية في إجمالي الاحتياطيات الخارجية، وتكلفة الفرصة الضائعة على موظفي الدولة والرعاية الاجتماعية بسبب توقف الرواتب منذ نهاية 2016، والاستثمارات المحلية والأجنبية المباشرة.
 
خلال السنوات التسع الماضية تعثرت الأنشطة الاقتصادية على نطاق واسع، كما تقلصت بشكل كبير فرص العمل والدخل في القطاعين العام والخاص، وتوقفت برامج الأمان الاجتماعي، وتدنى نصيب الفرد اليمني من الناتج المحلي الإجمالي. 
 
وأشارت التقديرات المحدثة لبيانات الحسابات القومية إلى انخفاض متوسط دخل الفرد في اليمن من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية من 1247 دولار عام 2014 إلى 364 دولار عام 2018، بمعدل تغير تراكمي بلغ 70.8 %، ما يؤكد انزلاق مزيد من السكان تحت خط الفقر.  
 
وتذهب التقديرات إلى أن أكثر من 40% من الأسر فقدت مصدر دخلها الأساسي، ويشير تحليل أوضاع الرفاه الصادر عن البنك الدولي إلى زيادة معدل الفقر بين اليمنيين إلى ما بين 71% و78% بينما كانت النساء الأكثر تضررا مقارنة بالرجال.  
 
وبالتوازي، تضاعفت أسعار الغذاء والخدمات وتكاليف العيش بنحو 4 مرات مما كانت عليه في 2011، وفقدت العملة الوطنية "الريال"   250% من قيمتها من 215 عام 2011، إلى 750 ريالاً يوليو 2020.
 
تؤكد التقارير الاقتصادية، أن السنوات التسع الماضية، قوضت جهود التنمية، ودمرت البنية التحتية، وتعثرت خلالها برامج الأمن الاجتماعي، الصحة والتعليم والدخل.
 
وفي قطاع التعليم، أكثر من 4.7 مليون طفل يعانون من صعوبة في الحصول على التعليم. تم تدمير المدارس، المعلمين الذين لا يتلقون رواتبهم بانتظام قد غادروا للبحث عن فرص أخرى، واضطر الأطفال بسبب الوضع الاقتصادي المتدهور لعائلاتهم إلى التسرب والعثور على عمل.
 
وقال أخيم شتاينر -  مدير برنامج التنمية في الأمم المتحدة -:  "لقد أغلقت آلاف المدارس، ولا يستطيع ملايين الأطفال الالتحاق بالمدرسة، ويفقدون جيلاً من التعليم". "لقد فقد اليمن ... 20 عاماً من التطوير".
 
دُمرت البنية التحتية للبلاد، وتركت القليل من القدرة على الاستجابة، 51٪ فقط من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها من أصل 300, 4 عدد المرافق الصحية في اليمن عام 2011.   
 
وتعرض قطاع الكهرباء لخسائر كبيرة جراء الحرب، إذ تفككت الشبكة الوطنية العامة إلى العديد من الشبكات الفرعية بسبب إتلاف خطوط النقل أو توقفها عن العمل، إضافة إلى ندرة في الوقود وتعرض العديد من منشآت توليد الكهرباء للأضرار.
 
وانقطعت الكهرباء العامة بشكل كامل في أجزاء كبيرة من البلاد تضمنت مدناً كبرى مثل صنعاء والحديدة وتعز، وبحسب التقديرات، لا تتوفر الكهرباء بصورة يمكن الاعتماد عليها إلا لما يبلغ فقط 10% من السكان.
  
وعلى صعيد الطرق، تزيد حجم الأضرار على 5 آلاف كم، نتيجة التدمير وانعدام الصيانة لها، إضافة إلى تعطل جميع مشاريع الطرق، وفقاً لتصريحات وزارة الأشغال العامة والطرق.
 
وبحسب نتائج التقييم الديناميكي للاحتياجات في اليمن الذي يقوم البنك الدولي بتحديثه بصفة دورية، فإن أكثر من 25% من مجموع المساكن تعرضت لبعض الأضرار.
   
 وأظهر تحليل للأضرار واحتياجات المشاريع المهمة الطارئة في اليمن، انخفاض معدل الوصول إلى مصادر المياه المحسنة بمقدار النصف تقريباً، بسبب تضرر البنية التحتية، وارتفعت تكلفة المياه بنسبة 45%، ويتحمل الأطفال والنساء أعباء نقل المياه إلى منازلهم حيث أفادت 60% من الأسر أنها تقضي أكثر من 30 دقيقة في جلب المياه.
   
ويُقدَر مجموع خسائر وأضرار الزراعة، ومصائد الأسماك، والماشية، بما يصل إلى نحو 3 مليارات دولار، وذلك بسبب نقص الكهرباء، والمياه الجارية، ومدخلات الإنتاج، والقدرة على الوصول للأسواق، وانهيار السلاسل اللوجستية، فيما تُقدَر الخسارة في فرص العمل بما يصل إلى 50 في المائة بتلك القطاعات.
 
 
 

التداعيات الاقتصادية ألقت بظلالها على الحياة المعيشية للمواطن، وتشير جميع الشواهد إلى أن الأسر اليمنية تعاني من الكثير من أشكال الحرمان النقدي وغير النقدي، وأدت إلى صعوبة الحصول على الكثير من الخدمات الأساسية والغذاء، ونزوح 5 ملايين من السكان عن ديارهم.
 
خلال قرابة عقد من الزمن، أصبح حوالي 24 مليون شخص، 80 في المائة من مجموع السكان البالغ 30 مليونا، بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة أو الحماية، وما يقرب من نصف جميع الأسر في حاجة ماسة.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية