أعلن السودان البدء في مسار قاتوني شاق وطويل في محاولة لحسم النزاع الحالي حول سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على بعد 15 كيلومترا من الحدود السودانية.

ويقوم المسار القانوني الحالي، بحسبما كشفت مصادر قريبة من ملف التفاوض، على تعزيز استخدام القنوات الدولية المتاحة مع التركيز على 3 جوانب أساسية، وهي إثبات المسؤولية التقصيرية على الشركة الإيطالية المنفذة لمنشآت السد واللجوء لقانون تعويض الأجانب في المحاكم الأميركية والاستعانة بخدمات الاتحاد الدولي للاستشارات الهندسية "فيديك" في سويسرا.

إجراءات معقدة

وتحتاج جميع الخيارات الثلاثة إجراءات قانونية طويلة ومعقدة ومكلفة من الناحية المالية خصوصا إذا ما تعلق الأمر بمشروع فيه تداخلات دولية وسياسية وقانونية متشعبة.

ومن الخيارات المحتملة أمام السودان اللجوء إلى قانون تعويض الأجانب في المحاكم الأميركية والذي يتيح للدول والهيئات غير الأميركية بتقديم دعاوى ضد الشركات الأجنبية في المحاكم الأميركية، إذا ما تسببت أنشطتها في أضرار ملموسة.

ويمنح القانون المحاكم الفيدرالية الاختصاص القضائي في الدعاوى القضائية التي يرفعها الرعايا الأجانب عن الأضرار التي ارتكبت في انتهاك للقانون الدولي.

لكن وعلى الرغم من أنه يعتبر أحد أقدم القوانين الفيدرالية السارية في الولايات المتحدة إلا أن استخدامه قليل جدا وذلك لأسباب تتعلق بارتفاع تكلفة التقاضي في الولايات المتحدة إضافة إلى الشروط والتعقيدات الإجرائية التي تحيط بالقانون نفسه.

المسؤولية التقصيرية

يستوجب على السودان إثبات المسؤولية التقصيرية قبل البدء في مقاضاة الجهة المستهدفة. وتتعلق قوانين المسؤولية التقصيرية بحالات الإخلال بالاتزامات التي يفرضها قانون التعاقد وتشمل المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير، أو الضّمان.

وللمسؤولية التقصيرية ثلاثة أركان مهمة لا تقوم هذه المسؤولية إذا انتفى واحد منها، وهي:الركن المادي والمتمثل بالخطأ التقصيري، والركن المعنوي والمتمثل بالضرر الذي يلحق بالغير، والعلاقة السببية بينهما.

ولا يكفي لقيام المسؤولية التقصيرية أن يقع الخطأ، وإنما يجب أن يترتب على هذا الخطأ إلحاق ضرر بالغير.

ثغرة جوهرية

ينبه بابكر برسي الاستاذ بكلية الهندسة بجامعة الخرطوم إلى أن قانون المنشآت الكبيرة يستوجب ضرورة استكمال كافة الدراسات البيئية والاجتماعية للمشروع وإلا فإن الشركة المتفذة ستتحمل التبعات والعقوبات في حال وقوع أي نوع من الضرر لأي من الأطراف.

ويؤكد برسي أن بإمكان السودان مقاضاة الشركة المنفذة لسد النهضة وذلك انطلاقا من حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق به وهو ذو شقين، يتعلق الأول بالجوانب البيئية فيما يتلخص الشق الثاني بالآثار الاجتماعية.

وينبه برسي إلى أن الدول الثلاثة المعنية بقضية سد النهضة اتفقت في وقت سابق على تكليف مكتب بإجراء تلك الدراسات وبالفعل قدم المكتب تقريره الأول، لكن السودان اعترض عليه.

خيارات عديدة

يرى المحلل القانوني والأمين العام للجنة التسييرية لنقابة المحاميين السودانيين الطيب العباس أن بإمكان السودان اللجوء لمحكمة العدل الدولية أو مجلس الأمن الدولي طالما أن قضية تعبئة بحيرة سد النهضة بشكل آحادي من أديس أبابا تشكل خطرًا على الأمن القومي السوداني.

ويقول العباس لموقع "سكاي نيوز عربية" إن السودان يمكن أن يستند أيضا إلى اتفاقية مياه النيل الموقعة في العام 1959 كإطار قانوني لحشد حلفاء من الأقليم وبالتالي دعم مساره القانوني، مشيرًا إلى أن وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق تحركت الأسبوع الماضي في جولات أفريقية شملت عددا من دول حوض النيل للعودة إلى هذه المنصة إذا تطلب الأمر.

ويعتقد العباس أن الإمكانيات المالية بالنسبة للسودان ومصر ليست عقبة للاستمرار في المسار القانوني لأن دول الخليج وجامعة الدول العربية تدعم موقف الخرطوم والقاهرة في أزمة سد النهضة ولديها استعداد لتحمل التبعات المالية وتمويل الاستعانة بالاستشارات القانونية لكبرى الشركات.

وأضاف العباس: "الدول العربية يمكنها أن توفر حتى التحركات القانونية الاستباقية للسودان ومصر إذا ذهبتا إلى التحكيم الدولي في أزمة سد النهضة ليس هناك ما يمنع توفير الدعم العربي ورأينا استعدادها لتقديم أي عون في هذا الصدد".

مسار التفاوض

يشير الخبير القانوني المعز حضرة إلى أن المسار القانوني لن يفيد السودان كثيرا لذلك فإن خيار التفاوض هو الأفضل في الوقت الحالي.

ويرى حضرة أن المسار القانوني قد يثبت مطالب الخرطوم لكنه لا يقدم الحل الأمثل في هذه الأزمة.

ويقول إن الخيارات القانونية بالنسبة للسودان تتمثل في محكمة العدل الدولية أو المحكمة الأفريقية أو مجلس الأمن الدولي مستبعدًا لجوء السودان إلى المحاكم الأميركية.

ويشرح حضرة وجهة نظره بالقول "الإجراءات القانونية معقدة جدا ولا تحقق الأهداف لكن إذا فشلت عملية التفاوض سيضطر السودان إلى الذهاب لمجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الأفريقية".

ووفقا لحضرة فإن السودان يمتلك خيارات وأوراق استراتيجية للتعامل مع أزمة سد النهضة، منها الورقة الأمنية أو استخدام ورقة اللاجئين الإثيوبيين في البلاد وهي تدخلات ناعمة قد تجبر أديس أبابا على التعاون في ملف سد النهضة.

فهم الأزمة

يرى البعض أن المشكلة قد لا تكون في المفاضلة بين الخيارين القانوني أو التفاوضي، إنما في الفهم الحقيقي للأزمة وإيجاد رؤية وطنية موحدة للتعامل معها.

وفي هذا الإطار، يؤكد المحلل القانوني والخبير في مركز إنصاف للعدالة رفعت مكاوي لموقع "سكاي نيوز عربية" أن قضايا الحدود والمياه مكانها في محكمة العدل الدولية وليست المحاكم الأميركية "لأن الأخيرة تصدر أحكامًا بإنصاف طرف ضد الثاني وفي القضايا ذات الطابع الدولي والنزاع بين البلدين لا يفضل مثل هذه الأحكام الحاسمة.

وأوضح مكاوي أن السودان لجأ قبل سنوات في النزاع الحدودي حول منطقة أبيي مع جنوب السودان إلى التحكيم الدولي وحصل على أحكام دولية أنصفته وكرر نفس التجربة مع مصر لكن الأخيرة ترفض اللجوء إلى التحكيم الدولي فيما يتعلق بمثلث حلايب.

وأشار مكاوي إلى أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك يتحرك في ملف سد النهضة بنظرة ثاقبة ولا يريد ارتكاب إجراءات انفعالية باللجوء إلى الخيارات العسكرية وفق ما تفضل بعض الأطراف داخل السلطة الانتقالية.

وتابع مكاوي: "موقف السودان نفسه يظهر الانقسام وغير معروف عما إذا كان السد في مصلحة البلاد أم لا؟..لكن المسار القانوني لن يتحقق طالما ترفض إثيوبيا التوقيع على الاتفاق الملزم قانونيًا بتبادل المعلومات في إجراءات التعبئة". 

المصدر: سكاي نيوز

 

 

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية