منازل ستة فجرتها المليشيا الحوثية المدعومة إيرانياً خلال أسبوعٍ واحد في مديرية التعزية شمالي شرق مدينة تعز، المدينة المحاصرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، والمسألة ليست بجديدة البتة، إنما إيضاح إضافي يكشف أخلاق المليشيات في الصراع وتجاوزها كل أخلاق الحرب وأعرف المجتمع اليمني، وامتطائها للقانون الدولي الإنساني.

 

احتلال المنازل، وتفخيخها، ونسفها أحياناً لمساواتها بالأرض، أساليب انتقامية اتخذتها المليشيا للانتقام من الخصوم السياسيين في البداية كما حدث إبان سقوط عمران، ثم طالت وجهات اجتماعية وقبلية، وأخيراً باتت في قائمة خيارات المليشيا للانتقام من المدنيين الذين يرفضون وجودها في مناطقهم.

 

لم تسلم أي منطقة يمنية بلغتها الحرب من عنف المليشيا على المنازل، فعمران وصنعاء ومأرب وإب والضالع والبيضاء وعدن وتعز ولحج لقيت نصيبها من هذا العنف، وتهجر المئات من السكان من بيوتهم بعد أن صُيرت أطلالٌ توصم المليشيات بأسوأ انتهاكات طالت اليمنيين.

 

لماذا يلجأ الحوثيون لتفجير المنازل؟

سياسة الانتقام غير المبررة، والسعي لتطويع الناس بالقوة في إطار أهدافها، ومحاولة خلق حالة هلع لديهم تحد من إمكانية انتفاضتهم ضدها، تعمد المليشيا إلى تفجير المنازل، ومساواتها بالأرض، وتوثيق ذلك بالغالب بالصوت والصورة.

 

يرى الصحافي محمد سعيد الشرعبي، أن (تفجير) المنازل " استراتيجية إماميه قديمة عمرها أكثر من ألف عام، وغايتهم إركاع الناس لسلطتهم وترهيب المعارضين من تبعات معارضتهم". ويزيد " تفجير الحوثيين للمنازل يعيد إلى الأذهان تاريخ الإمامة منذ لحظة وصول الهادي الرسي إلى شمال اليمن حتى إسقاط آخر إمام في 26 سبتمبر 1962".

 

ويتفق مراقبون مع الشرعبي، إلا أنهم يفطنون إلى أن الجماعة بقدر ما تحاول أن تخضع الناس لسلطانها، فإنها توسع من مستوى العداء والنفور الشعبي ضدها، حيث تُفرز هذه الانتهاكات تيارا غاضبا يكنُّ كل العداء للمليشيا، خاصة وأن الاعتداء على "حرمة المنازل" مسألة فظيعة تجرمها الأعراف اليمنية، وتعارضها عادات المجتمع اليمني، غير أن المليشيات تجاوزتها إلى نسف المنازل بعد أن أشنعت في جرمها بانتهاك بيوت آلاف اليمنيين.

وحسب الصحافي المتابع لانتهاكات المليشيات في تعز، فخر العزب فإن " تفجير المنازل أبشع الجرائم التي تمارسها جماعة الحوثي منذ الحروب الأولى في صعدة وحتى اليوم، ويلجأ الحوثيون إلى تدمير المنازل باعتبارها ثقافة انتقامية متجسدة منذ القدم في الفكر الذي ينتهجه الحوثيون".

 

ويعلل هذا العنف المفرط في الانتهاك بأنه "يهدف لكسر الخصم عن طريق قتل الإنسان معنويا من خلال قتل الارتباط المادي والمعنوي للإنسان بمنزله الذي بناه من كدح عمره وعاش فيه كل ذكرياته. فتدمير المنزل قتل معنوي للإنسان، والهدف هو أن يصيبوا خصمهم بالانكسار الأبدي من خلال تشريده وجعله بلا مأوى فيفقد بذلك الشعور بارتباطه بالحياة، فهي إذن وسيلة من وسائل الاخضاع".

 

وطبقاً لأحد سكان منطقة الحيمة، الذي اشترط حجب اسمه خوفاً من بطش المليشيات، فإن أهالي قريته تلقوا تحذيرات من المليشيات بعدم اتخاذ أية مواقف معادية، وهددوا بنسف منزل كل من يقف في طريقهم. وقد شهدت القرية أسوأ انتهاكات من هذا النوع، بعد أن وصلت المنازل التي فجرتها الجماعة إلى ستة منازل حتى اليوم منذ نحو شهر ونصف، أربعة منازل منها في أسبوعين، بحسب أحد الأهالي.

 

تداعيات مستقبلية

ويؤكد حقوقيون أن المسألة هذه لن تتوقف هنا وحسب؛ أو أنها ستتبخر بمجرد انتهاء الحرب، بل ستمتد إلى أجلٍ بعيد. لافتين إلى أن القائمة الكبيرة من الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا طوال أربعة أعوام من الحرب، ومن ضمنها تدمير منازل اليمنيين ستظل في أقل حدٍ لها، ذكرى شنيعة تشرح تاريخ القمع والانتهاك الحوثي.

 

ويضيف العزب في هذا الصدد أنه من شأن ذلك " إدخال ثقافة دخيلة على المجتمع اليمني لم نجدها إلا لدى الصهاينة في فلسطين المحتلة، وهي بلا شك تكرس للأحقاد والثارات المجتمعية التي لا يمكن معالجتها في المدى القريب ولا المتوسط بل نحتاج لأجيال من أجل معالجة المجتمع من آثار هذا السلوك الغريب على المجتمع اليمني ومروءة العربي بشكل عام". ويردف الصحافي الشرعبي أن التبعات خلف هذا الأمر خطيرة وتهتك النسيج الاجتماعي.

 

نزعة الانتقام المتولدة

ويهدد الشاب نادر، أحد من طالهم عنف المليشيا في الضالع بالانتقام. مشدداً " طال الزمن أو قصر اللي (الذي) ننتقم فيه من الحوثيين سنأخذ بحقنا، واحنا (ونحن) فجروا منزل أحد أقاربنا في مديرية جُبن، لكن بيكون (سيكون) القضاء (الرد) في صعدة قريباً".

 

تهديد الشاب نادر يؤكد حالة السخط، ونزعة الانتقام التي تولدت من جراء هدم المليشيات لمنازل الناس، وهو يعتبر أنه لا أسوأ من أن يُهجر المرء من منزله ثم يصبح داره منهوباً وبعدها مدمراً ومساوىً بالأرض.

 

ولا يستبعد الحقوقيون أن تتحول هذه النزعات مستقبلاً الى قضايا ثأر داخلية في إطار المناطق التي وصلها بطش المليشيات، معتبرين أن الإسناد المحلي من شخصيات معينة في مناطق الحرب، والذي تحصلت عليه المليشيات سينقلب تباعاً الى صدامات، ليس من المستبعد أن تتحول إلى ثأر مستمر يُذكى لأمدٍ غير معلوم.

 

أخبار ذات صلة

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية