عقب سيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء العام 2014، وإحكام القبضة على مفاصل الدولة؛ عمدوا إلى إحداث تغييرات جزئية وجذرية في كثير من السياسات العامة ومنها التعليم؛ فمع بداية كل موسم دراسي تطفو على السطح قرارات جديدة تتمثل بإجراءات دخيلة على التعليم المدرسي اليمني المتعارف عليه قبل العام 2015. 
 
يقول لوكالة "2 ديسمبر" مدير مدرسة للبنين في صنعاء: "نتعرض للمضايقات أسبوعيًا أو شهريًا، كل فترة معهم مناسبات، ويفرضون مواضيع طائفية للإذاعة المدرسية ويجبرون الطلاب على قول الصرخة، وآخر شيء وزعوا قسائم للمشاركة الشعبية برسوم مالية، المدرسة عندي تفتقر للمعلمين، والكتاب المدرسي، والمدرسة بلا ترميم، والفصول أغلبها مكتظة بالطلاب، لا يتم حل أيٍّ من هذه الإشكاليات، ولا يتم صرف الأجور، ومع ذلك نحن مطالبون بتنفيذ سياساتهم البالية، وأفكارهم الدخيلة". 
 
وكانت إدارة التربية في عمران قد أصدرت تعميمًا مع انطلاق العام الدراسي الجاري في أغسطس، بترديد الصرخة في الطابور المدرسي بشكل يومي.
 
وفي صنعاء، أكد المواطن فاروق جابر، أنه تم فصل ابنته رغد من المدرسة بسبب رفضها ترديد الصرخة. 
 
لا تعليم في زمن الحوثي 
 
في تعليقه على استهداف مليشيا الحوثي للتعليم، يؤكد رئيس نقابة المعلمين في تعز، فؤاد الأهدل، أن من أولويات الحوثيين تفخيخ عقول الناشئة باستهداف الثوابت الدينية والأخلاقية وتمزيق الوحدة الفكرية والنسيج الاجتماعي للمجتمع اليمني. 
 
يوضح الأهدل: "من أول وهلة لظهور الحوثيين وهم يعملون على تغيير محتوى المقرر المدرسي للطلاب، وبالذات في المستويات الأولى لمراحل التعليم الأساسي تليها المستويات الأعلى". 
 
من جانبه، يقول د.فارس البيل، المحلل السياسي وعضو مؤتمر الرياض: عندما اتجهت مليشيا الحوثي إلى صنعاء، عينت وزيرًا للتربية والتعليم (يحيى الحوثي) من صلب الجماعة وأهم قيادي حوثي وهو الأكثر إيغالًا في الفكر المتطرف لديهم، والمنهجية الحوثية، وهذا هدف واضح بالنسبة لهم، ويدل على أهمية هذا القطاع".
 
وتابع البيل: ولاحظنا كيف استطاعوا تغيير المناهج وإدخال أفكار طائفية، وحوّلت المليشيا الثقافة المدرسية اليومية لحشد طائفي يتبع فكرتها وإيديولوجيتها، أضف لذلك تعليم بلا ميزانية ومدرسين بلا رواتب، وأصبح التعليم تحت مبدأ "فضول الجهد" بمعنى أنه لم يصبح لدى الطاقم التعليمي الكثير وهو أكبر القطاعات توظيفًا".
 
وكانت مليشيا الحوثي أوقفت صرف رواتب موظفي التربية والتعليم في سبتمبر 2016، بحُجة نقل البنك المركزي من صنعاء المختطفة إلى العاصمة المؤقتة عدن. 
 
وعما اجترحته مليشيا الحوثي في المناهج التعليمية، وضحت، في حديثها لـ"2 ديسمبر" الأستاذة هدى عبدالله التي كانت تعمل مربية للصفوف الأولى بإحدى المدارس في منطقة خاضعة لسيطرة المليشيا، أنه تم تغيير كتب التربية الإسلامية والقرآن الكريم وبعض النصوص في كتب اللغة العربية للصفوف الأولى، وأدخلوا عبارات طائفية، وشددوا على خرافة الولاية ومزاعم الحق الإلهي في الحكم، وصور لقتلاهم وتصويرهم أنهم أبطال، وصور قادة الشرعية كعملاء، مضيفة أنهم "يجيئون إلى المدارس في زيارات شهرية ويشددون على تدريس الدروس المعدلة وإدخالها في الاختبارات الشهرية والنصفية والنهائية"، مشيرة إلى إقامتهم دورات تدريبية للمعلمين في المدارس.
 
كل هذا يعود بنا لطبيعة هذه المليشيا الطائفية السُّلالية المتشددة، وبُعدها عن التعليم النظامي، وهو ما أشار إليه الدكتور البيل، بقوله: "ميلشيا الحوثي مع بداية نشأتها في التسعينيات وبعد ذلك، كانت صعدة أكثر المحافظات اليمنية في أعداد التسرب من التعليم، بمعنى أنهم كانوا حريصين على ألا يكون هنالك تعليم نظامي في صعدة، وعطلوا المدارس سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهيأوا الأجواء لحالة من الجهل؛ لأنهم يدركون تماماً أن التعليم هو العدو لانتشارهم". 
 
لذلك- يضيف البيل- حرصوا تمامًا على إفساد مسار التعليم في محافظة صعدة، وفرضوا معلمين من لديهم، ومناهج، وأقاموا حلقات تدريس موازية خارج إطار التعليم العام، وكانوا يبثون في هذه الحلقات مناهجهم، واتجهوا للحشد، وبدلًا من أن يذهب هؤلاء للمدراس والجامعات ذهبوا حاليًا لجبهات القتال".
 
تلغيم التعليم.. الخطر القادم 
 
الطالبة "حلا علي" في المرحلة الثانوية جاءت إلى تعز لإتمام الثانوية العامة بعد دراستها كل الصفوف في إب، تصف التعليم في المحافظة القابعة تحت سيطرة المليشيا، قائلة: "هناك ما فيش تعليم سواء، بس يشتوا فلوس (مال) ونردد الصرخة ونعمل مهرجانات واحتفالات دينية بحقهم المناسبات، ويخرجونا من الصبح للظهر وسط الشمس نسمع الخطب، وبعدها قرر أبي السفر لتعز لإتمام تعليمي أنا وإخوتي وخاف على إخواني من أفكار الحوثيين بعدين يرجع صعب يقدر يغيرها".
 
وفي ذلك، يشير الأهدل إلى أن "الحوثيين يكرسون العصبية المذهبية وفكرهم الإثني عشري المنحرف"، محذّرا من النتائج الكارثية للنشاط المحموم في تغيير محتوى المنهج الدراسي بما يتلاءم مع فكرهم الضال، على الأجيال القادمة، التي قال إنها ليست بعيدة. 
 
يتابع الأهدل: "أعتقد جازمًا أن الحوثيين يعطون الأولوية لتدمير الجيل فكريًا وخلق بذرة للصراع القادم بين أبناء الشعب الواحد، واختلاق مناسبات خلال أشهر السنة، وتوظيف المناسبات الدينية للترويج لأفكارهم وإحياء تاريخ قاموا بتشويهه مضى عليه أكثر من 1300سنة لأئمتهم المزعومين وقياداتهم الحالية". 
 
يوافقه الرأي، البيل، الذي اعتبر "أن الإشكالية في التعليم هي كارثة أكبر من الكارثة الحربية، ستنتهي الحرب، وسيعاني اليمنيون وستظل هذه الأفكار مزروعة في عقول جيل بأكمله، وحتى إن انتهت المليشيا بشكل عسكري مثلًا أو تسوية ما، سيستمر الأثر الذي أحدثوه في التعليم". 
 
ويؤكِد: "بتقديري خطر التعليم الملغوم الذي أرسوه خلال السبعة أعوام أكبر خطرًا من الألغام التي يزرعونها في كل مكان؛ فالخطر يتمثل في تفخيخ العقول وتعطيل القدرات".

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية