لم تكن ثورة 2 ديسمبر 2017، بقيادة الزعيم الراحل علي عبدالله صالح، وليدة لحظتها، بقدر ما كانت صفحة جديدة في صفحات المجابهة اليمنية لمشروع الإمامة الكهنوتية، أهم حلقاتها الحديثة ثورة 26 سبتمبر، وصفحات الثورة الديسمبرية التي عملت، وما زالت، على سد الفجوة الفكرية في مواجهة المشروع الإمامي بنسخته الحوثية المطعمة بمنظومة أفكار وأساليب الصفوية الخمينية في إيران.
 
الجبهة الناقصة
 
عانت المعركة الثقافية والفكرية من ناحية اليمنيين ضعفًا أتاح للإمامة البقاء كمسلّمة دينية في ذهنية اليمنيين تتدثر بالمذهب الزيدي، المنسوب زورًا إلى زيد بن علي أوائل القرن الثاني الهجري، فيما يعود في أساساته إلى رؤى عقائدية معتزلية، وفقهية حنفية، مزودة بأفكار استعلائية نقلها ورسخها الغازي الإمامي الأول لليمن يحيى الرسي أواخر القرن الهجري الثالث.
 
بقيت المشكلة بعد قيام الثورة الجمهورية في 26 سبتمبر 1962، وظلت المواجهة الفكرية خجولة ومترددة، لنجاح الحركة الإمامية في مماهاة فكرتها مع الزيدية التي شكلتها وفق أجندتها في السيطرة على اليمنيين شعبًا وأرضًا؛ إذ إن المعركة الجمهورية في استراتيجيتها ركزت على بيت حميد الدين كعهد سياسي، فيما أغفلت إلى حدٍّ كبير البُعد الفكري الذي ينال جذور الإمامة وخرافاتها، وعلى رأسها خرافات الولاية والسلالة والاصطفاء والحق الإلهي.
 
دارت صفحة المواجهة الجمهورية، حتى في معظم عهد الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح، حبيسة البُعد السياسي للإمامة، المهم بطبيعة الحال لكن ليس الوحيد، كما أنه يشكل الوجه الظاهر لبنية ثقافية تحتية تُولد باستمرار بذور الحياة والإنعاش للبعد السياسي.
 
الصفحة الأمنية
 
مع التوجه الوسطي لحزب المؤتمر الشعبي العام، بقيادة الرئيس صالح، سمحت السلطة بالتعدد الديني المذهبي وممارسة الحرية في إقامة المراكز الدعوية بمختلف توجهاتها خلال الثمانينيات، ثم في فترة التسعينيات وما بعدها، تزامنًا مع إقرار التعددية السياسية والإعلامية والمجتمعية، طالما بقيت تحت مظلة الدستور والقوانين وقيم التعايش والتسامح، إلا أن الحركة الإمامية من خلال تغلغلها في مؤسسات السلطة والأحزاب وفرت غطاء لنشاط جناحها الثقافي بمسمى "الشباب المؤمن" الذي استغل المناخ الديمقراطي ليتحول إلى مليشيا عسكرية عقائدية بقيادة الهالك حسين الحوثي، لتبرز الصفحة الأمنية ما بين سنة 2003- 2010 في المواجهة اليمنية الجمهورية مع الإمامة.
 
مع صفحة المواجهة الأمنية في التمرد الأول 2003، شرع الإعلام الحكومي والحزبي للمؤتمر الشعبي العام في تناول الجذور التاريخية لأركان الخرافات الإمامية، غير أن أفراد الحركة الكهنوتية في السلطة  كبحت انتقال المجابهة إلى المستوى الفكري والثقافي.
 
محاولة الاحتواء
 
خلال العام 2011، اندلعت أزمة سياسية في البلاد أفضت إلى انهيار سياسي واقتصادي وعسكري مكّن الحركة الإمامية بنسختها الحوثية من فرصة سانحة للاستيلاء على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، فانتقل الشهيد الراحل صالح وهو خارج الحكم إلى صفحة الاحتواء للحفاظ على الدولة اليمنية من الأفول الكامل ومحاصرة الأنشطة الإمامية، خصوصًا في جانب المساس بالهوية اليمنية الأصيلة، عبر منعه الحوثية من تكثيف حملة غسيل الأدمغة وتعميمها على الشعب اليمني، دولةً ومجتمعًا، واستطاع بالفعل كبح التسارع الحوثي في إرغام موظفي الدولة وفئات المجتمع على المشاركة في الدورات والفعاليات الطائفية، ومنع إجراء التغييرات على المناهج الدراسية.
 
وتأكد اتجاه صالح وحزبه في كلمة الأمين العام للمؤتمر الشعبي الشهيد عارف الزوكا، الذي عبّر عن رفض المؤتمر الصريح للعبث بالمناهج التعليمية، وذلك خلال احتفالية جماهيرية حاشدة في أغسطس 2017، بمناسبة ذكرى تأسيس المؤتمر العام 1982.
 
وبرز إلى السطح سلامة رؤية المؤتمر بزعامة الشهيد علي عبدالله صالح، لخطورة الأبعاد الفكرية والثقافية عقب استشهاد الزعيم صالح في ثورة 2 ديسمبر 2017، حيث نشطت الإمامة الحوثية بصورة واسعة في إدراج تعديلاتها على المناهج التعليمية وإكراه جميع الأطياف في مناطق سيطرتها بمن فيهم الموظفون، على الانخراط في فعالياتها المعادية للتاريخ اليمني وجغرافيته، وكان آخر تلك الاندفاعة الإمامية لطمس هوية اليمنيين إصدار ما وصفتها "مدونة السلوك الوظيفي"، التي عبّر يمنيون عن رفضها حتى في المناطق الخاضعة للحوثي.
 
الحرب الشاملة
 
قبل أيام، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي العميد طارق محمد عبدالله صالح، وجهاء مديرية ذو باب المشرِفة على مضيق باب المندب ليؤكد- مجدَّدًا- على البُعد الفكري والثقافي في المواجهة مع المشروع الإمامي، بإشارته إلى أن "محاربة العدوان الحوثي لا تقتصر على مواجهته عسكريًا فقط، وإنما على مختلف المستويات حتى لا يتمكن من تحقيق مراده في تعميم الثقافة الإيرانية".
 
وتمكن العميد طارق، أهم القيادات العسكرية لثورة 2 ديسمبر، من كفالة استمرار هذه الثورة بتشكيله قوة عسكرية وسياسية وإعلامية أخذت على عاتقها تنفيذ وصايا الزعيم الراحل صالح في مقاومة الحركة الإمامية.
 
وأعطت القوة الوليدة من رحم الثورة الديسمبرية، المناهضَة الفكرية مكانة على رأس سُلم أولوياتها، ونحتْ في هذا الشأن مسارين؛ الأول يؤكد على القيم الثقافية النابعة من الحضارة اليمنية قبل تشويهها الإمامي والممزوجة بالعصر الحديث، من قبيل مفاهيم الهوية اليمنية والجمهورية والوسطية والديمقراطية والتعايش السلمي واحترام الاختلاف والتعدد. أما الثاني فيعمل على كشف زيف وخداع الأسس الفكرية للحركة الإمامية، حتى أصبحت بعض المصطلحات التي تناولها العميد طارق صالح واسعة الانتشار في الأوساط اليمنية مثل مصطلح الخرافة.
 
ما زالت المقاومة متواصلة ومتعددة المستويات مع حركة الإمامة المتخلفة، وما زالت ثورة 2 ديسمبر قادرة على ابتكار طرائق فكفكة وتشريح الأيديولوجية الإمامية وتوضيح صورتها الحقيقية للشعب اليمني وللإقليم والعالم.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية