لسنوات متراكمة وبمواسم متتالية تكاد تغيم الرؤية الهزلية على الدراما اليمنية وتتحكم بنتاجها (المسلسلات الرمضانية)، مستندة في ذلك على أدوار السخرية والتهكم والفكاهة كتعزيز لنسق ثقافي قائم على التنمر واللمز وإظهار شخصية اليمني بشكل (عبيط ومتهلفت وساذج)؛ لتغدو تلك المسلسلات مجالاً للتذمر والتنمر والاحتقار يتنابز بها الغالبية الساحقة من المشاهدين في اليمن بمختلف أطيافهم وأعمارهم.
 
وهذه الإشكالية تغلب على مجمل الأعمال الدرامية التي تعرض في القنوات اليمنية المختلفة، وهذا أمر يدفع بالكثير من التساؤلات إلى السطح، من حيث الأسباب والدوافع والتبريرات، وقد يتعلق بالمفهوم المترسخ لدى القائمين على هذه الأعمال سواءً أكانوا ممثلين أم مخرجين أم كُتاب "سينارست" أم جهات ممولة حول تمسكهم بهذه الرؤية وتأكيدها في أعمالهم عاماً تلو الآخر، وبودنا أن ندرك مآلاتها التي تتناقض كلياً مع ما يعيشه الفرد اليمني ومعاناته الخاصة والعامة، وكذلك المخاطر الحقيقية والتحديات الوجودية للوطن قاطبة.
 
سيتذرع القائمون بضعف الإمكانيات من ناحية وبأن المشاهد اليمني يميل وفقاً لذائقته الفنية في هذه اللحظة للاهتمام بمثل هذه الأعمال الساخرة، كونها أقرب إلى نفسه من أعمال ذات بعد وطني ووجودي أكثر عمقاً وتأثيراً، لكن الحقيقة أن مثل هذا النتاج الدرامي الكوميدي يستغفل المشاهد، ويزيد من تسطيح وعيه وذائقته ويشغله بترهات مملة تشعره بأنه بلا ثقافة ولا معرفة ولا همّ وطني ولا قضايا وهموم تنهكه، ولا ينقصه إلا التسلية التي تقدمها هذه الدراما.
 
تتسم مجمل هذه الأعمال بالركاكة والتردي الفني والتمثيلي وغياب تام للمخيلة ورضوخها الأعمى للتوجهات السياسية للقنوات التي تعرض فيها، حيث تلحظ أن مدير القناة، على سبيل المثال، هو المشرف العام على العمل، أو أن كاتب السيناريو هو البطل وهو المخرج، وهذا دليل على العشوائية والاستحواذ والبعد عن إشراك المتخصصين والاستعانة بالخبرات التي بمقدورها أن تضفي شكلاً مختلفاً ولمسة فنية لو أتيح لها المجال، ففي رمضان المنصرم عرضت بعض الأعمال القائمة على استحضار التاريخ وبعض أحداثه إلا أنها قدمته على نفس النمط الهزلي الشائع، واستقت منه لمحات تتناسب مع منظورها الفني، وهذا خطأ فادح يؤكد افتقارها لكُتاب سيناريو محترفين والاستعانة بمتخصصين في التاريخ، لا سيما أنها اعتمدت على الارتجال والتسرع دون تخطيط أو خبرة.
 
ويظل السؤال ماثلاً والحيرة شاخصة في هذه الشأن عند المشاهد، حيث يساوره الحلم والطموح كلما أقبل رمضان جديد عله يصادف دراما يمنية محترمة كاشفة عن معضلاته، ومستشعرة لما يجول في خاطره، بعيداً عن تلك الظاهرة الهزيلة الساخرة منه ومن مصير وطنه ومستقبل أبنائه، فالواقع اليمني في غاية الحاجة لأعمال فنية تغير من ثقافته وتنتقد الأخطاء والعادات المتفشية في سلوكه العام والخاص، فقد سئم البلاهة والقهقهة، ولم يعد فيه متنفس لها، بات يتحسس الأمل ويطارد اليأس ويسعى بكل السبل عما يعيد له توازنه المفقود وذاته المستلبة وهويته المفقودة، إنه يبحث عن منقذ عن بطل في الواقع، عن رؤية فعلية مهتمة بكل مآسيه وأوجاعه.
 
فحين تنأى الدراما في بلد ما عن قضاياه المصيرية والوطنية تبدو مفرغة القيمة وعديمة الفائدة، ووجودها لا أهمية له طالما أنها لا تلامس الواقع ولا تنبثق من طموحاته وأحلامه، أليست القضايا كحصار تعز وقضية الألغام وقضية النزوح، والانقسامات البينية، وانعدام الضمير الوطني والإنساني، والشهداء والجرحى، وكثير من الأمور جديرة بأن تتبناها الدراما اليمنية في لحظتنا الراهنة كإسهام فعلي في الدور النضالي والبطولي الذي يخوضه الشعب ككل في مقارعة الطغيان والكهنوت.
 
وفي هذا السياق يتوجب عليَّ التذكير والإشادة بفيلم "10 أيام قبل الزفة" الذي عُرض في 2018 من إخراج عمرو جمال، حيث اعتبر أول فيلم طويل جماهيري عرض في اليمن منذ عقود، حيث كان التقاط الفيلم لكثير من العذابات والأوجاع المستفحلة في الواقع بطريقة مبهرة، واحتوائه لمآسي الحرب رغم أنه ينطلق من توجه رومانسي درامي، واهتمامه بالتراث والفن اليمني العتيق بأسلوب مدهش ومؤثر، يفرض على مختلف الأعمال الدرامية اليمنية الاحتذاء به وعبور الدرب الذي انطلق منه. كفى عبثاً وابتذالاً فقد ملأتمونا قرفاً وغوغائية سوقية.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية