مجلس الأمن يكتب السطر الأخير من عُمر بعثة "أونمها"

مثّل قرار مجلس الأمن الدولي 2813 للتمديد النهائي لولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، إقراراً دولياً ضمنياً بفشل أحد أطول نماذج الرقابة الأممية جموداً في الملف اليمني، فبعد سبع سنوات من التمركز في المحافظة الساحلية، انتقل الملف من بعثة فنية متخصصة إلى مكتب المبعوث الأممي، في تحول يعكس يأساً دولياً من جدوى الأدوات الميدانية الحالية في مواجهة ممارسات مليشيا الحوثي وتصعيدها المستمر.

وبموجب القرار البريطاني الأخير، دخلت البعثة مرحلة العد التنازلي وفق الجدول زمني محدد، حيث تم تمديد مهامها لفترة انتقالية مدتها شهران فقط، تنتهي في أبريل، وذلك بهدف ترتيب الملفات الإدارية، مع بدء التصفية والإغلاق الرسمي في الأول من أبريل، عبر إغلاق المكاتب الميدانية وسحب المكون العسكري والمدني، كما القرار على نقل صلاحيات البعثة، عبر دمج ما تبقى من مهام المراقبة والوساطة ضمن هيكلية مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس جروندبيرج.

وبحسب مراقبين، تحولت البعثة طيلة فترة عملها من مراقب مدعوم دولياً لإعادة الانتشار إلى شاهد صامت على عسكرة الموانئ من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية التي استخدمت الطبيعة المدنية لموانئ (الصليب، والحديدة، ورأس عيسى) منصات لتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، مما أفقد البعثة مبرر وجودها الأخلاقي والقانوني وحفز المجتمع الدولي على اتخاذ هذا القرار بشأنها.

وخلال السنوات السبع الماضية منذ تشكيل البعثة وتمركزها في المحافظة الساحلية بداية العام 2019 بموجب اتفاق ستوكلهم، حولت مليشيا الحوثي الإرهابية البعثة إلى رهينة جغرافية، من خلال تقييد حركتها، ومنع الدوريات الميدانية، مما جعل ميزانية البعثة التي تتجاوز 50 مليون دولار سنوياً عبئاً مالياً دون عائد أمني.

ومع تغير الأولويات الدولية، وتحويل الحوثيين الحديدة الى منصة متقدمة لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر وإنزال الأسلحة الإيرانية المهربة، بدأت قناعات فعلية تترسخ لدى الفاعلين الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، بأن البعثة الأممية تحولت الى غطاء يحتمي به الحوثيون، وهو إدراك متأخر لحجم الخطأ الذي وقع فيه المجتمع الدولي عندما أوعز ودفع باتجاه توقيع هذا الاتفاق المجحف أواخر العام 2018.

والملاحظ أيضًا في التصويت على إنهاء وتصفية مهام البعثة، ما عكسه من شرخ في رؤية المجتمع الدولي للملف اليمني، فالمعسكر الغربي ممثلا بالولايات المتحدة والولايات المتحدة، دفع باتجاه التصفية واعتبر أنها استنفدت أغراضها وأن استمرارها يعزز حالة اللا حرب واللا سلم التي تخدم الحوثيين.

وفي المقابل، بدا المعسكر الشرقي بزعامة روسيا والصين أكثر ميلًا ورغبة باستمرار عمل البعثة، حيث أبدت موسكو تحفظًا بالامتناع عن التصويت، وعدت وجود الأمم المتحدة، حتى لو كان رمزياً، يمثل خيطاً رفيعاً للتواصل وبناء الثقة، بينما دعت الصين مجلس الأمن الى إمعان النظر في الوضع بالحديدة لتجنب ما وصفته بالانسحاب المتسرع الذي قد يزعزع استقرار الوضع المتقلب ويشعل صراعا جديدا.


وعلى مدى سنوات من الجمود، لم تقدم بعثة (أونمها) شيئاً يذكر على صعيد حماية المدنيين أو استعادة الاستقرار، بل تحول اتفاق ستوكهولم، بمرور الوقت، من مشروع للسلام إلى مظلة حماية سياسية وعسكرية مكنت مليشيا الحوثي من إحكام قبضتها على المحافظة وممارسة جرائمها وانتهاكاتها بحرية.

وشهدت المناطق المشمولة بالاتفاق فصولاً من الانتهاكات المروعة التي جرت تحت أنظار البعثة وبمحيط مقراتها؛ حيث تصاعدت عمليات القتل والاختطاف الممنهج، وتحولت حياة السكان إلى جحيم جراء نهب الأراضي ومصادرة الحقوق، فضلاً عن حصار المناطق السكنية وتحويل المزارع والطرقات إلى حقول شاسعة للألغام التي حصدت أرواح الأبرياء، ما حول البعثة في نظر الضحايا إلى غطاء دولي منح الجاني وقتاً إضافياً لترسيخ جرائمه وتعميق المأساة الإنسانية، بعيداً عن أي ضغط حقيقي يوقف نزيف الدم أو يحمي ما تبقى من حقوق المدنيين.

وقد يغدو اتفاق ستوكهولم بعد هذا القرار، وفقاً لمراقبين، وثيقة تاريخية أكثر منه إطاراً ملزماً، مما يهيئ فرصة للحكومة اليمنية للتحلل من التزاماتها السابقة في هذا الاتفاق الذي فشلت الأمم المتحدة في تنفيذه وصبت كل منافعه في صالح الحوثيين الذين استخدموه كحائط حماية لمواصلة التمترس في الحديدة واتخاذها منصة لاستهداف خطوط الملاحة في البحر الأحمر.

أخبار من القسم

تطورات الساعة

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية