تحليل: إيران تستخدم وكلاءها في المنطقة للحفاظ على مكانتها الإقليمية
وصف تقييم التهديدات غير المصنف لعام 2025 الصادر عن مجتمع الاستخبارات الأمريكية، إيران بأنها دولة تسعى لتحقيق مصالحها من خلال وسائل وشركاء غير متكافئين، لخلق نظام معقد من حروب الوكالة في المنطقة، التي تشهد عدم استقرار وغموضاً استراتيجياً.
وعلى ضوء التقييم الأمريكي كتب الخبير الاستراتيجي في شؤون المنطقة "يوفال ديفيد" في "منتدى الشرق الأوسط"، أن النظام الإيراني خلق نظاماً معقداً من حروب الوكالة في منطقة الشرق الأوسط، ما بلور ليس فوضى، بل بنية متعمدة لزعزعة الاستقرار -محور لعدم الاستقرار- مصممة لتقويض السيادة، وإضعاف أنظمة الدول، وتحدي المجتمع الدولي دون إشعال حرب شاملة.
وأشار إلى أحدث تقييم للكونغرس الأمريكي، للجماعات المدعومة من إيران في المنطقة كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، قائلاً "إنها عملت على اتساع نطاق التصعيد في المنطقة خاصة هجمات الحوثيين على الشحن الدولي، موضحاً كيف أعادت "الزيادة" في مثل هذه الهجمات تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية منذ أكتوبر 2023.
وينقل عن التقييم الأمريكي أن تلك المليشيات الإيرانية بالمنطقة، رسخت مفهوم حرب الوكلاء لفرض نفوذ سياسية وإيجاد سلطات عسكرية موازية للدول تخضع لسلطات طهران، ما دفع الشرق الأوسط للاتجاه نحو عدم الاستقرار لفرض هيمنة على المنطقة من خلال نظام معقد وبنية متعمدة لزعزعة الاستقرار مصممة لتقويض السيادة، وإضعاف أنظمة الدولة، وتحدي المجتمع الدولي.
ووفقاً لما نقله المنتدى، عن التقييم الأمريكي، فإن إيران تعتمد لبسط نفوذها بالمنطقة على عقيدة "المواجهة المحسوبة" باستخدام شبكة من الجهات الفاعلة غير الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، والتي تنشط في "اليمن ولبنان والعراق وسوريا وغزة".
وحسب التقييم فإن هذا الاسلوب الايراني ليس مجرد فكرة نظرية، بل هو عملية مُطبقة كحملة شبكية، مصممة لإرهاق الخصوم على جبهات متعددة، مع حماية القيادة الإيرانية من التكاليف الباهظة للتصعيد العلني.. الهدف منه ليس مجرد التهديد، بل تقويض السيادة، وإضعاف المؤسسات، وترسيخ فكرة أن الدول لم تعد تحتكر القوة داخل حدودها.
وأوضح المنتدى أن نظام طهران استطاع خلق نفوذ سياسي، وسلطات عسكرية موازية من خلال نموذج الوكلاء عملوا على تحويل الدول ذات السيادة وأراضيها إلى منصات وقواعد عمليات أمامية، وأوراق مساومة في لعبة شطرنج إقليمية، وتبعية تخضع لسيطرة النظام الايراني التامة، كما هو حاصل مع الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان.
وتناول المنتدى ما تمارسه إيران عبر أذرعها من فرض استراتيجية بالوكالة على المجال البحري الاقليمي، وصلت من خلالها الى تهديد ممرات بحرية تشكل شرايين حيوية للتجارة العالمية والاقليمية، تعد نقاط اختناق لعجلة الاقتصاد الدولي، لذا يستوجب ردعاً دولياً لحماية حرية الملاحة، والمخاطر التجارية.
وألمح المنتدى إلى البيان الرسمي الذي أصدرته القيادة المركزية الأمريكية أواخر يناير 2026، الذي حمل تحذيراً للحرس الثوري الإيراني من القيام بأي سلوك غير آمن في مضيق هرمز، مؤكداً استعدادها لضمان سلامة الأفراد الأمريكيين وحركة الملاحة البحرية التجارية، لافتاً الى ان ذلك ليس مجرد تحذير أو بيان صحفي روتيني، بل هو اعتراف بأن أدوات التصعيد الإيرانية تستهدف بشكل متزايد نقاط الضعف في النظام الدولي، حيث تتقاطع التجارة العالمية مع العسكرة الإقليمية.
وعلى ضوء ما تشهده المنطقة من تحركات عسكرية أمريكية، يبقى السؤال العالق حول طموحات إيران النووية، ومدى إمكانية نجاح الدبلوماسية في تجنيب حرب إقليمية جندت لها إيران وكلاء اقليميين؟ يؤكد التقييم الامريكي وفقا للمنتدى، ان "القدرة النووية، والقدرة الصاروخية، والحرب بالوكالة" ليست ملفات منفصلة في خزانة طهران الاستراتيجية، بل هي أدوات متكاملة للقوة، ونموذج إقليمي قائم لإيران، لأن شبكة الوكلاء ليست مجرد وسيلة ضغط في المفاوضات، بل هي الأسلوب الذي تحافظ به طهران على مكانتها الإقليمية بغض النظر عن المفاوضات.
ووفقاً للمنتدى فإن ما يميز اللحظة الراهنة، ليس مجرد استمرار الصراع، بل تطبيع حالة عدم الاستقرار كحالة حاكمة، يتشكل الشرق الأوسط، فيها بشكل متزايد بفعل حروب الوكالة، والإكراه البحري، والترهيب الاستراتيجي، والتعبئة الايديولوجية التي تمارسها ايران، والتي تستدعي تحركا وردا حاسما من قبل المجتمع الدولي والاقليمي.
ويختم المنتدى في تناوله للتقييم الأمريكي لحالة المنطقة التي تشهد تحركا ضد الهيمنة الايرانية متعددة الوكلاء، بأن تداعيات سياسة ايران في المنطقة المهددة للاستقرار، تلزم المجتمع الدولي، التعامل معها كاستراتيجية متكاملة بما فيها الحرب بالوكالة، كمبدأ أمني راسخ، لا مجرد شعار دبلوماسي، بمعنى ان الدفاع عن الممرات الملاحية باعتبارها مصالح أمنية قومية، لا مجرد مصالح تجارية، بالتزامن مع التعامل مع الملف النووي الايراني الذي يعد عاملاً مزعزعاً لاستقرار المنطقة، ما لم سيبقى الشرق الأوسط معلقاً لا بين الحرب والسلام، بل في حالة مستمرة من عدم الاستقرار المُفتعل - نظام لا يتشكل بالحلول بل بالفوضى المتعمدة.







