حين تكبُرُ المواقف تصغر الخلافات
في اللحظات العادية، يتسع المجال للاجتهاد، ويعلو صوت التباين أو الاختلاف، ويكون هنالك هامش مأمون لتزاحُمِ الحسابات.
أما في اللحظات المصيرية، فلا يبقى إلا الموقف، ولا يُقاس الرجال إلا بقدرتهم على الارتفاع فوق التفاصيل الصغيرة، حين تهتز الأرض تحت أقدام الجميع.
ما شهدته المنطقة -من اعتداءات إيرانية همجية استهدفت دولًا عربية- لم يكن حادثًا عابرًا يمكن التعامل معه ببرودٍ دبلوماسي، أو بعباراتٍ إنشائية،
بل كان اختبارًا حقيقيًا لمعنى الانتماء، ولمفهوم الأمن العربي، ولمصداقية الحديث عن المصير المشترك.
وفي مثل هذه اللحظات، تسقط الأقنعة سريعًا، وتنكشف الفوارق بين من يدير شئون دولة بعقلية قائد ينتمي لأمة ويشعر بالمسئولية تجاهها، وبين من يدير خلافًا صغيرًا بعقلية مراهق.
منذُ اللحظة الأولى للعدوان الإيراني على الدول العربية برز موقف ولي عهد المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان، لا تصريحًا سياسيًا ضمن سيل التصريحات، بل إعلانًا واضحًا أن أمن العرب كلٌّ لا يتجزأ، وأن استهداف عاصمةٍ عربية هو استهداف للمنظومة العربية بأسرها.
إنه موقف يليق بالسعودية، ويليق بالأمير محمد بن سلمان، لم يتوقف عند تباينات، ولم يستدعِ سجالات، ولم يلوّح بخلافات بعضها كانت ظاهرةً مُعلنة، بل تجاوز كل ذلك دفعة واحدة، وتعامل مع الخطر بوصفه خطرًا جامعًا، لا ملفًا قابلًا للمساومة، وذلك هو الفارق بين عقلية تدير لحظة تاريخية، وعقلية تتشبث بهوامشها الصغيرة.
الملمّات الكبرى لا تنتظر أن يُصفّي هذا حسابه مع ذاك، ولا أن تُسوّى الخلافات الصغيرة، قبل أن تُدق الأبواب الكبرى.
والتهديد حين يكون وجوديًا، يصبح الانشغال بالجزئيات نوعًا من الهروب، ويغدو التردد ثغرة مفتوحة لعواصفَ يمكنها أن تهدمَ جدار الأمن.
القيادة الحقيقية لا تُختبر في أوقات الرخاء، بل في أزمنة العواصف.
تُختبر حين يكون القرار مكلفًا،
وحين يكون الصمت أسهل من الكلام،
وحين يكون الانحياز الواضح أثقل من المراوغة،
وفي هذه اللحظة، كان انحياز السعودية صريحًا: إلى استقرار المنطقة، إلى سيادة الدول، إلى رفض تحويل الجغرافيا العربية إلى ساحات تصفية حسابات الآخرين.
من يتوقف عند الخلافات الصغيرة في زمن الأخطار الكبيرة، إنما يكشف ضيق أفقه قبل أن يكشف خلافه.
ومن يعجز عن تجاوز الجراح حين تُستهدف الأوطان، إنما يختار أن يبقى أسيرًا لذاته، بينما يتقدم الخطر لاجتثاثه، والتاريخ لا يذكر من تمسكوا بتفاصيلهم الضيقة، بل يذكر من ارتفعوا إلى مستوى اللحظة.
إن الرسالة السعودية التي برزت -من بين أدخنة الحرائق وفي أشد اللحظات حرجًا- واضحة لا لبس فيها:
وحدة الصف ليست شعارًا احتفاليًا، بل ضرورة أمنية.
والتضامن ليس مجاملة سياسية، بل خط دفاع أول.
ومن يرِد أن يحمي منطقته فعليه أن يُحسن ترتيب أولوياته، وأن يضع أمنها فوق كل حساب.
في زمن التحديات المتعاظمة، لا مكان للرماديين، إما موقف واضح يُحصّن الجبهة، أو تردد يضعفها.
إما رؤية تستشرف الخطر وتستبق تداعياته، أو انشغال بخلافات لا وزن لها حين تُقاس بميزان المصير.
وهكذا، حين ارتفعت بعض الأصوات أسيرة حساباتها، ارتفع الموقف السعودي فوق الحسابات جميعًا.
وحين تردّد البعض في قراءة اللحظة، جاءت القراءة حاسمة:
الخطر إذا مسّ جزءًا من الجسد العربي، فإن الجسد كله معنيٌّ بالتصدي له.
تلك ليست مبالغة في الوصف، بل توصيف لمرحلة تفرز الرجال وتختبر المعادن والمعاني، هي مرحلة لا تحتمل أنصاف المواقف، ولا تُغفر فيها الأخطاء الصغيرة، لأنها تفتح أبوابًا كبيرة للشر والخطر.
ومن لا يدرك ذلك اليوم، سيدركه غدًا، ولكن بعد أن يكون الثمن قد ارتفع.
إنها لحظة يُعاد فيها تعريف القيادة، ويُعاد فيها ترتيب الصفوف.
لحظة تُثبت أن من يفهم طبيعة التهديد، لا يسمح للخلافات الصغيرة أن تتحول إلى معاول هدم في جدارٍ يحتاج إلى كل حجر.
ومن هنا، تتشكل المعادلة الجديدة:
أمن عربي واحد، وموقف يرتقي إلى حجمه،
أو فراغ تملؤه التحديات والمخاطر.







