مخالب إيران تستهدف الكويت وحكومة بغداد أمام اختبار السيادة
يومًا بعد يوم، تتكشف حقيقة المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، ليس كشعار سياسي عابر، بل كمنظومة نفوذ؛ تعتمد على الميليشيات العابرة للحدود، لتقويض استقرار الدول العربية.
وفي هذا السياق، جاءت الاعتداءات الهمجية التي استهدفت الكويت من الأراضي العراقية؛ لتدق ناقوس خطر جديد، وتعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل الأمن الخليجي ومسؤولية الدولة العراقية تجاه ما يجري على أرضها.
فالكويت - بما تمثله من موقع استراتيجي وحضور سياسي واقتصادي في منظومة الخليج - ليست مجرد دولة مستهدفة في حادثة أمنية عابرة، بل تمثل خط تماس متقدم مع مشروع إقليمي يطمع في توسيع نفوذه عبر أدوات غير نظامية.
ما حدث ليس مجرد فعل عصاباتي محدود، بل يحمل في طياته رسائل سياسية وأمنية خطيرة؛ تشير إلى أن الفصائل المسلحة في العراق تتحرك وفق حسابات تتجاوز المصلحة الوطنية العراقية، لتخدم أجندات إقليمية معروفة.
-خطاب المقاومة لا يخفي واقع التبعية
خلال السنوات الماضية، تشكلت في العراق شبكة من الفصائل المسلحة التي ترفع شعارات "المقاومة"، غير أن سلوكها العملي كشف مرارًا عن تحولها إلى أدوات نفوذ إقليمي تستخدم في صراعات تتجاوز حدود العراق ومصالح شعبه.
كتائب حزب الله وحركة النجباء وعصائب أهل الحق وما شابهها أصبحت جزءًا من معادلة معقدة، يتداخل فيها السياسي بالعسكري، والوطني بالإقليمي..
وهذه الفصائل - رغم اختلاف تسمياتها - تشترك في منظومة ارتباط أيديولوجي وسياسي وعسكري بطهران، وهو ما جعلها دُمى تعبث في ملفات تتجاوز حدود الدولة العراقية.
خطورة هذا الواقع لا تكمن فقط في امتلاك هذه الجماعات للسلاح، بل في تحولها إلى قوة موازية للدولة، تتحرك أحيانًا خارج إرادة المؤسسات الرسمية، وتفرض المعادلات الخاصة بمشغليها في الإقليم، تمامًا كما تعمل مثيلاتها في لبنان وفي اليمن.
ومن هنا، فإن أي استهداف لدولة خليجية من الأراضي العراقية لا يمكن النظر إليه بوصفه فعلاً معزولاً، بل باعتباره جزءًا من نمط متكرر في إدارة الصراع عبر الوكلاء.
حكوم بغداد أمام اختبار السيادة والتبعية
الأحداث الأخيرة تضع الحكومة العراقية أمام اختبار سياسي وسيادي بالغ الحساسية؛ فاستمرار تحرك الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة يثير تساؤلات جدية حول قدرة بغداد على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها، وضبط السلاح المنفلت الذي قد يجر البلاد إلى أزمات إقليمية لا تخدم مصالحها الوطنية.
العراق - بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي - يمثل ركيزة مهمة في منظومة الأمن العربي؛ ولذلك فإن استعادة الدولة لاحتكارها الشرعي للسلاح ليست مجرد مسألة داخلية، بل خطوة ضرورية لحماية العراق نفسه من التحول إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
فالدولة التي لا تملك السيطرة على ما داخلها من السلاح، تجد نفسها - عاجلاً أو آجلاً - أمام تداعيات سياسية ودبلوماسية وأمنية قد تتجاوز قدرتها على التحكم في مسارها.
تضامن خليجي وعربي ودولي صريح
قوبلت الاعتداءات المليشاوية على الكويت بردود أفعال حازمة وواضحة: فقد سارعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعلان تضامنها الكامل مع الكويت، مؤكدة أن أمن الكويت جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الخليجي.
وهذه المواقف ليست مجرد رد فعل دبلوماسي، بل تعكس إدراكًا متزايدًا بأن سياسة استهداف الدول عبر الميليشيات تمثل تهديدًا جماعيًا للأمن الإقليمي.
كما صدرت مواقف عربية ودولية تدين هذه الاعتداءات وتحذر من تداعياتها على أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، وهو ما يعكس اتساع دائرة القلق الدولي من تنامي ظاهرة الفصائل المسلحة المرتبطة بأجندات إيران.
الحاجة إلى استراتيجية أكثر صلابة
إن التحدي الذي تطرحه هذه الأحداث لا يمكن التعامل معه - فقط من خلال ردود الفعل المؤقتة - بل يتطلب مقاربة استراتيجية عربية أكثر شمولاً، تقوم على تعزيز التعاون الأمني والعسكري والاستخباراتي بين الدول العربية، والعمل على تجفيف منابع الميليشيات التي تهدد استقرار المنطقة.
كما أن هذه اللحظة قد تمثل فرصة لإعادة طرح قضية ضبط السلاح غير الشرعي في المنطقة - بوصفها أولوية للأمن القومي العربي - خصوصًا في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.
الكويت… خط دفاع متقدم
في المحصلة، فإن ما تعرضت له الكويت ليس مجرد حادث أمني عابر، بل محطة جديدة في صراع طويل بين مشروع الدولة الوطنية في العالم العربي، ومشروع الميليشيات العابرة للحدود.
ومع تزايد التحديات الإقليمية، تبدو الحاجة ملحّة إلى موقف عربي أكثر تماسكًا، يؤكد أن سيادة الدول العربية ليست مجالًا للمساومة، وأن أمن الخليج خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
فالكويت لا يجب أن تبقى وحدها في مواجهة هذه التحديات، بل يجب أن تقف خلفها منظومة خليجية وعربية تدرك أن الدفاع عن استقرار الكويت هو دفاع عن استقرار المنطقة بأكملها.






