انتهاء مهمة "أونمها".. اعتراف أممي متأخر بسقوط الرهانات على "اتفاق ستوكهولم"
طوت مدينة الحديدة صفحة قاتمة امتدت لسبع سنوات من الجمود المشرعن، معلنةً بإنهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) رسمياً، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2813، شهادة الوفاة السريرية لواحد من أكثر الاتفاقات الدولية إثارة للجدل في التاريخ اليمني الحديث.
ويمثل هذا التحول اعترافًا صريحًا من الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي، بانهيار "اتفاق ستوكهولم" الذي صمد هيكلياً كإطار دبلوماسي بينما تآكلت مضامينه على الأرض، ليتحول بمرور الوقت من طوق نجاة إنساني كما زُعم أثناء إبرامه، إلى مظلة سياسية استغلتها مليشيا الحوثي لإحكام قبضتها على المحافظة الساحلية وتجيير موانئها لخدمة أجندتها العسكرية وأنشطتها العدوانية.
لقد ولدت البعثة الأممية في بداية 2019 محملةً بتطلعات دولية لفرض وقف إطلاق النار وتطبيع الأوضاع، غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما كشفت عن هوة سحيقة بين النص والتطبيق؛ فالمليشيا التي كان من المفترض أن تنسحب من المدينة، أحالتها إلى ثكنة عسكرية كبرى، وظلت البنود الجوهرية المتعلقة بتوريد إيرادات الموانئ لصرف رواتب الموظفين مجرد حبر على ورق، في وقت تحولت فيه الموانئ الثلاثة إلى شريان مالي وعسكري يغذي آلة الحرب الحوثية بعيداً عن أي رقابة حقيقية.
وما زاد من قتامة المشهد هو تحول البعثة الدولية نفسها إلى شاهد مكبل، حيث واجه مراقبوها قيوداً تعجيزية منعتهم من الوصول الحر إلى المنشآت الحيوية، مما جعل من دور "أونمها" دوراً صورياً يمنح المليشيا وقتاً ثميناً لإعادة التموضع والتحصن خلف هذا الحاجز الذي شكل نموذجًا صارخًا لسوء تقدير المجتمع الدولي وتعاطيه مع الحرب في اليمن، عندما أعاق -عبر اتفاق ستوكهولم- معركة تحرير الحديدة بينما كانت القوات المشتركة على وشك استكمال معركة تحرير المدينة.
هذا الإخفاق لم يتوقف عند حدود الداخل اليمني، لقد امتدت شظاياه لتهدد أمن الملاحة العالمية في أحد أهم الممرات المائية حيوية، حيث وفر اتفاق ستوكهولم بيئة آمنة للمليشيا لتحويل الحديدة إلى منصة متقدمة لاستهداف السفن التجارية وخطوط الشحن في البحر الأحمر، ومنفذ استراتيجي لاستقبال الأسلحة النوعية والتقنيات العسكرية المهربة من الحرس الثوري الإيراني.
ومع انتقال مسؤولية هذا الملف الشائك إلى مكتب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، بات المشهد يتجه نحو مراجعة حتمية وشاملة للالتزامات القانونية والسياسية التي قيدت الحكومة الشرعية لسنوات، فالمعطيات الراهنة تضع المجتمع الدولي أمام استحقاق إنهاء الواقع الإنساني المرير الذي يكابد مرارته أبناء الحديدة مع المليشيا الحوثية وإنهاء التهديدات الحوثية على الملاحة، وهو ما يجعل من تجاوز الوعود الدولية العقيمة ضرورة ملحة للانتقال إلى مرحلة التحرر الحقيقي بتوفير الدعم اللازم للحكومة الشرعية ورفع القيود التي عاقت استمرار معركة استعادة الدولة.







