إيران تواري هزيمتها بمزاعم "النصر" والخليج يعبر الأزمة بحكمة

بينما كانت ألسنة اللهب تتصاعد من مراكز القيادة السياسية والعسكرية والمنشآت الحيوية في طهران بعد الليلة الأخيرة في الحرب، التي شهدت تنفيذ 800 غارة أمريكية وفق ما أعلن الجيش الأمريكي، أطلت بقايا النظام الإيراني لتعلن للعالم انتصارًا يحمل الكثير من دلالات الاستخفاف، وتحاول من خلاله طهران مواراة هزيمتها الساحقة التي منيت بها في هذه الحرب.

وجاء الإعلان الإيراني عن "النصر" في وقت فقد النظام رموزه السياسية والعسكرية والدينية الكبرى، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، في ضربة قاصمة بترت مفاصل القرار وأحالت الهيكل القيادي الذي دام عقودًا إلى أثر بعد عين، ما يجعل الحديث عن الغلبة نوعًا من الانفصال عن الواقع الذي لا تخطئه عين المراقب.

لقد كانت الأربعون يومًا الماضية كفيلة بمسح عقود من الاستثمارات العسكرية الإيرانية؛ فبينما كانت الصواريخ تنهال لتمحو البرنامج النووي والمنشآت الصاروخية والاقتصادية من الخارطة، كانت الإرادة السياسية في طهران تتهاوى حتى وصلت إلى نقطة الرضوخ الكامل، والاستسلام غير المشروط للولايات المتحدة، خلافًا للعنتريات التي ظلت تسوقها مسبقًا.

وكانت خاتمة هذه الحرب تعبيرًا- أيضًا- عن الهزيمة التي تعرض لها النظام الإيراني أمام الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؛ إذ شكل رضوخ إيران لشروط واشنطن اعترافًا ضمنيًا بالهزيمة الكاملة، وسقوطًا عسكريًا لم يترك للنظام سوى خيار الاستسلام تحت ستار الهدنة المحددة بأسبوعين.

وزادت الضغوط على النظام الإيراني، عندما حُشر في زاوية ضيقة أُجبر منها على الرضوخ المطلق، بعدما وُضع أمام مهلة حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت ستنتهي عند الثالثة من فجر الأربعاء، لنقل الحرب ضد إيران إلى مصاف آخر ما لم تمتثل، وتلك لحظة شعر معها النظام أنها ستفني ما تبقى منه، فاختار الطريق الآمن.

ومع تداعي البنية التحتية وعودة إيران عقودًا إلى الوراء بعد ما تعرضت له في أسابيع قاسية، لا تزال الماكينة الإعلامية الإيرانية تحاول بيع الأوهام لشعبٍ يرى مدنه غارقة في تداعيات المغامرات الفاشلة لنظام دأب على تصدير الفوضى والحروب حتى فوجئ بها في عقر داره.

ووفقًا لمراقبين، فإن شعارات النصر التي تروج لها طهران ليست سوى محاولة لترميم صدع الوجدان الداخلي المنهار، وتغطيةً على حقيقة أن الدولة لم تعد تملك من أمرها شيئًا بعد أن خسرت كل شيء تقريبًا في هذه الحرب الساحقة، نتيجة رعونة صانع القرار الذي غاب عن المشهد للأبد، قتيلًا في أول غارة جوية بداية الحرب.

وفي سياق المواجهة، كان الرهان الإيراني الأخير يعتمد على استراتيجية الأرض المحروقة عبر محاولة جر دول الخليج إلى مستنقع الدمار وتدمير مكتسباتها التنموية. غير أن هذا المخطط الغادر سقط تمامًا أمام صلابة الموقف الخليجي؛ حيث أظهرت عواصم المنطقة حكمةً بالغة في إدارة الأزمة، ورفضت الانجرار إلى فخ الاستدراج، ونجحت في تجاوز هذه الحرب دون أن تنخرط فيها.

وبحسب المراقبين، فقد خرجت دول الخليج من هذا الأتون أكثر قوة بحماية سيادتها ومكتسباتها الاقتصادية، كما أثبتت أنها الطرف الأكثر نضجًا في معادلة الشرق الأوسط، وجعلت موازين القوى تميل بشكل واضح لصالح المحور العربي الذي آثر البناء والتعمير والحفاظ على المكتسبات الوطنية، ورفض الانجرار في هذه الحرب، في مقابل محور كان يقتات على الهدم والخراب.

وقد كانت هذه النهاية المنطقية لنهج تصدير الثورات والقلاقل، حيث ارتدت النيران على من أشعلها في عديد من الأقطار العربية ومنها اليمن، لتجد إيران نفسها في مواجهة مصيرها وحيدة، محطمة القيادة، ومنزوعة القوة، بينما لم تلقَ في ظرفها القاسي هذا سوى ترديد أهازيج النصر المزعوم فوق أطلال دولة لم يبقَ منها سوى الذكريات المريرة.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية