هدنة ترامب.. استراحة تكتيكية أم بداية صفقة كبرى؟

كعادته في صناعة المفاجآت واتخاذ القرارات غير المتوقعة، أعلن رئيس الولايات المتحدة مهلة جديدة مدتها أسبوعان، وذلك قبل ساعة ونصف فقط من انتهاء المهلة السابقة التي كان قد حددها لإيران.

الإعلان  جاء بعد تهديدات حادة بفتح ما وصفه بالجحيم واستهداف جميع مصادر الطاقة في إيران، بل والتلويح بمحو حضارتها إذا لم تستجب لشروطه.

غير أن إعلان المهلة الجديدة حمل في طياته إشارات مختلفة. 
فقد تحدث الرئيس الأمريكي عن مؤشرات قد تقود إلى اتفاق سلام بوساطة باكستانية، مشيرًا إلى أن أهم أهداف الحرب قد تحققت، وأن فترة الأسبوعين قد تكون كافية للوصول إلى اتفاق ينهي صراعًا استمر سبعة وأربعين عامًا بين البلدين.

المفارقة بين التهديد بالحرب الشاملة والإعلان عن فرصة للسلام تعكس طبيعة المرحلة الحالية من الصراع؛ مرحلة تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع المناورات السياسية، وتختلط فيها حسابات القوة مع حسابات التفاوض.

شرط المضيق.. ومناورة طهران

ربطت واشنطن وقف إطلاق النار بفتح مضيق هرمز دون قيد أو شرط. 
وهو الشرط الذي قوبل بإعلان إيراني سريع من مجلس الأمن القومي ووزير الخارجية وحتى باسم المرشد الجديد مجتبى خامنئي بالموافقة على فتح المضيق.

سرعة الاستجابة الإيرانية يمكن قراءتها باعتبارها استجابة تكتيكية، كما تبدو محاولة واضحة لإسقاط أحد أهم مبررات التصعيد الأمريكي، وهي في الوقت نفسه محاولة لتحييد القوى الدولية الأكثر اعتمادًا على المضيق، وعلى رأسها أوروبا والصين.
وفي خلفية هذا الموقف قد تكون هناك تفاهمات غير معلنة بين إيران من جهة، وبين الصين وروسيا وبعض القوى الأوروبية من جهة أخرى، خصوصًا عندما يتم الربط بين هذا الموقف وبين اعتراض موسكو وبكين على مشروع القرار الأمريكي داخل مجلس الأمن.

الحرب لم تتوقف

ورغم الحديث عن تهدئة، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الحرب لم تتوقف فعليًا. فالضربات الإسرائيلية داخل إيران استمرت حتى لحظة كتابة هذا التحليل، كما لم تتوقف الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت دول الخليج.
وبذلك تبدو الهدنة المعلنة أقرب إلى مرحلة إعادة تموضع سياسي وعسكري منها إلى وقف حقيقي للحرب.

لماذا اختار الرئيس الأمريكي التهدئة؟

يمكن فهم هذا القرار من خلال مجموعة من العوامل والضغوط التي برزت خلال الأسابيع الأخيرة:
أول هذه العوامل يتمثل في ضعف الغطاء الدولي للحرب بعد اعتراض روسيا والصين على مشروع القرار داخل مجلس الأمن، وهو ما حد من قدرة واشنطن على تحويل العمليات العسكرية إلى حرب تحظى بشرعية دولية.
كما ظهرت على الأرض ظاهرة السلاسل البشرية التي دفع بها النظام الإيراني قسرًا للتجمهر حول المنشآت الحيوية ومحطات الطاقة، في محاولة لتحويلها إلى دروع بشرية تُعقّد أي ضربات عسكرية واسعة.


وفي الجانب الأوروبي برز تردد واضح في دعم الحرب، بل وصل الأمر إلى اعلان اتخاذ قرار بسحب القوات البريطانية من العراق، وهو مؤشر مهم على حجم التحفظ الأوروبي تجاه التصعيد.
إلى جانب ذلك شكّل استهداف مصادر الطاقة في الخليج عامل ضغط إضافي، إذ يشكل استمرار هذه الهجمات ضغطا كبيرًا على بعض دول الخليج.


فرصة لشراء الوقت

وكأي عمل سياسي تظهر فيه الفرص إلى جانب المخاطر فإن التهدئة لا تعكس فقط ضغوطًا بحتة، بل توفر -أيضًا- فرصًا سياسية لجميع الأطراف.

فإبداء إيران استعدادها لفتح مضيق هرمز يشير إلى تراجع غير معلن عن موقف الرفض المطلق للحوار، كما يمنحها فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية الهائلة الناتجة عن العقوبات والحرب.

أما بالنسبة لدول الخليج، فإن فتح المضيق يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم حركة تصدير النفط والغاز، إلى جانب تعزيز الدفاعات الجوية والبحرية التي تعرضت لضغط كبير خلال الفترة الماضية.

في المقابل، يمنح هذا الوقت الرئيس الأمريكي فرصة لتهدئة الضغوط الداخلية، وإعلان تحقيق جزء مهم من أهداف الحرب، إضافة إلى توجيه رسالة سياسية إلى أوروبا والدول المستفيدة من المضيق مفادها أنه هو من بادر بفتح الطريق أمام التجارة العالمية رغم عدم دعمهم الكامل لخطته.

الملف النووي.. السؤال الأكبر

وسط هذه التطورات يبرز سؤال أساسي يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني..
فهناك تسريبات وتحليلات تشير إلى احتمال وجود تفاهمات غير معلنة حول هذا الملف، وربما يكون التنازل الإيراني عنه مطروحًا بالفعل لكن دون إعلان رسمي، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

وتذهب بعض القراءات إلى احتمال أن تكون كمياتُ اليورانيوم المخصب قد خرجت من إيران ضمن عمليات عسكرية جرى الإعلان عنها بوصفها عمليات إنقاذ للطيارين، بينما قد يكون ضمن أهدافها  نقل المواد النووية أو تحييدها.

وإذا كان هذا السيناريو صحيحًا، فإن المرحلة التالية من المفاوضات ستتركز على ملفين رئيسيين: البرنامج الصاروخي وشبكة الأذرع العسكرية الإيرانية في المنطقة.

تفاوض على الأذرع

في أي مفاوضات محتملة، من المرجح أن يتم التعامل مع الأذرع العسكرية الإيرانية كملفات منفصلة.

فقد تسعى إسرائيل إلى أن يكون نصيبها في أي صفقة حول هذا الملف هو التخلي عن حزب الله، باعتباره التهديد المباشر لأمنها.

بينما قد تسعى دول الخليج إلى تفكيك الخلايا المرتبطة بإيران في البحرين واليمن.

أما الفصائل المسلحة في العراق فقد تبقى خارج الصفقة أو يتم التعامل معها لاحقًا ضمن ترتيبات داخلية عراقية.

وفي ما يتعلق بالصواريخ، فمن المرجح أن يكون هذا الملف محور تفاوض مشترك ستفاوض عليه إسرائيل ودول الخليج.

من يتفاوض باسم إيران؟

سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بالطرف الذي سيمثل إيران في أي مفاوضات.

فإذا كان الحرس الثوري هو من يقود التفاوض، وكان وضعه قد تراجع، فإن أولويته قد تكون الحفاظ على النظام مقابل تقديم تنازلات كبيرة.

أما إذا كان لا يزال يحتفظ بقدر من القوة، فقد يسعى إلى تسوية تقوم على التخلي عن البرنامج النووي مقابل الإبقاء على البرنامج الصاروخي، وفتح المضيق مقابل رفع العقوبات وضمانات بعدم الاعتداء.

أما السيناريو الأقل احتمالًا فهو ظهور قيادة إيرانية جديدة تتولى التفاوض، وفي هذه الحالة قد تتجه إلى صفقة أوسع تشمل التخلي عن المشروع النووي وتحديد سقوف البرنامج الصاروخي والتخلي عن الأذرع مقابل رفع العقوبات ودفع تعويضات وإعادة الإعمار.


استراحة محارب

في النهاية تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى استراحة محارب منها إلى نهاية للصراع.
فالوقت المحدد للتهدئة يمنح جميع الأطراف فرصة لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية، كما يمنح واشنطن فرصة للتحضير لضربة أكثر دقة وسرعة إذا فشلت المفاوضات.

وفي هذا السياق يبقى الحليف الإسرائيلي لأمريكا عاملًا مهمًا في المعادلة، إذ يمكنه في أي لحظة خلق ذريعة لخرق التهدئة واستئناف العمليات العسكرية.

ولهذا كله تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة: فإما أن تقود إلى صفقة تعيد رسم موازين القوة في المنطقة، أو أن تتحول إلى مجرد هدنة قصيرة تسبق جولة جديدة من الحرب، ربما تكون أكثر حسمًا واتساعًا.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية