حين يُنصف الواقع: المخا نموذجًا
من الضروري، في خضم التباينات السياسية وتعدد القراءات، أن نتمسك بقاعدة أساسية لا غنى عنها في أي نقاش جاد، وهي تسمية الأشياء بمسمياتها، وإعطاء كل ذي حق حقه، بعيدًا عن الاعتبارات الضيقة أو المواقف المسبقة. فالإنصاف ليس ترفًا، بل شرط لازم لبناء وعي موضوعي قادر على قراءة التحولات كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون.
في هذا السياق، يبرز ما تحقق في الساحل الغربي، وتحديدًا في مدينة المخا، بوصفه تحولًا ملموسًا لم يعد قابلًا للتجاهل أو التأويل. فقد شهدت هذه المنطقة خلال الفترة الماضية تحسنًا ملحوظًا في الجانبين الأمني والتنموي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي والخدمي، وأعاد تشكيل صورتها كإحدى النقاط الحيوية على الخارطة الوطنية.
ولا يخفى أن أي عملية تنموية، في جوهرها، تظل رهينة بوجود حد أدنى من الاستقرار الأمني. فالأمن يشكل القاعدة التي تُبنى عليها مختلف مظاهر التنمية، وبدونه تغدو كل الجهود عرضة للتعثر أو الانقطاع. ومن هنا، فإن ما تحقق في المخا لم يكن ليأخذ هذا المسار لولا توافر هذا العامل الحاسم.
وانطلاقًا من مبدأ الإنصاف، فإن قراءة هذه التجربة تقتضي الإشارة إلى الأدوار التي أسهمت في تحقيق هذا التحول، وفي مقدمة ذلك، تبرز الجهود التي قادها نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح منذ انخراطه في الساحل الغربي، حيث ارتبط حضوره بمسار يركز على استعادة مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.
ولا يعني الإقرار بهذه الجهود الادعاء بالكمال أو انتفاء الحاجة إلى التقييم والمراجعة، بقدر ما يعكس ضرورة التمييز بين النقد الموضوعي القائم على الوقائع، وبين المواقف التي تنزلق إلى إنكار ما هو قائم بالفعل. فالتجارب الوطنية تُقاس بقدرتها على تحقيق أثر ملموس، وتُطوّر عبر نقدها، لا عبر تجاهلها.
في المحصلة، تمثل المخا اليوم نموذجًا يستدعي قراءة متأنية، بوصفها تجربة تعكس إمكانية البناء في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد. كما تؤكد، في الوقت ذاته، أن استعادة الدولة تبدأ من تثبيت الأمن، وأن أي نجاح في هذا الاتجاه ينبغي أن يُفهم في سياقه الوطني الأشمل، باعتباره خطوة في مسار طويل نحو الاستقرار والتنمية
*مدير مديرية الخوخة






