استعادة صنعاء.. عقيدة ثابتة تحكم مسار المقاومة الوطنية
ظل هدف استعادة صنعاء لدى المقاومة الوطنية قائمًا منذ لحظة التأسيس، ليشكل إطارًا حاكمًا أعاد تعريف طبيعة هذه القوة ووظيفتها في سياق الحرب ضد المشروع الإيراني ممثلًا بمليشيا الحوثي الإرهابية. وعلى امتداد ثماني سنوات، تحول هذا الهدف إلى ما يشبه العقيدة الناظمة التي تضبط الإيقاع العام للأداء العسكري والسياسي والإعلامي، وتمنع أي انحراف عن المسار الرئيسي للمعركة.
من زاوية تحليلية، يمكن قراءة تجربة المقاومة الوطنية باعتبارها نموذجًا نادرًا لقوة حافظت على اتساق داخلي نادر في بيئة معقدة ومليئة بالتناقضات، فبدلًا من التشتت بين أولويات متعددة، ظل هدف استعادة الدولة، وعاصمتها التاريخية صنعاء، هو المركز الذي تدور حوله كل الأنشطة، وهو التركيز الذي عكس إدراكًا مبكرًا لطبيعة المعركة مع المشروع الإيراني، ما فرض ضرورة بناء مسار طويل النفس قائم على وضوح الرؤية.
هذا الوضوح أسهم في تحصين المقاومة من الانزلاق نحو صراعات جانبية لا طائل منها سوى استنزاف الجهد في غير محله. فخلال محطات متعددة من التحولات السياسية والعسكرية، حافظت المقاومة الوطنية على مسافة ثابتة من التجاذبات، موجهة جهودها نحو الخصم الرئيسي دون إعادة تعريف أولوياتها تبعًا للظروف، وهنا تحديدًا يتجلى أثر ثبات البوصلة كعامل محوري في استمرارية الفعل وتأثيره.
كما أن اتساق المسار لم يقتصر على الجانب العسكري، فقد امتد ليشمل الأداء الأمني والخدمي وحتى الخطاب الإعلامي والسياسي، وهذه المسارات، رغم تنوعها، ظلت تعمل ضمن إطار موحد يعكس نفس الرؤية، ما يعزز فكرة أن ما يحكمها هو منظومة فكرية متكاملة؛ ويظهر ذلك بوضوح في الخطاب الإعلامي الذي حافظ على طابع جامع، يركز على المعركة الوطنية ويبتعد عن إنتاج الانقسامات، بالتوازي مع خطاب سياسي يسعى إلى بناء أرضية مشتركة مع مختلف القوى المناهضة للمشروع الحوثي.
في هذا السياق، يمكن اعتبار العقيدة التي تشكلت لدى المقاومة الوطنية عاملًا تفسيريًا رئيسيًا لقدرتها على الحفاظ على تماسكها، فهي عقيدة لا تقوم فقط على مجابهة العدو المشترك، إنما أيضًا تعريف واضح للهدف النهائي، وآليات الوصول إليه، وحدود الحركة ضمن هذا المسار، وهذا ما جعلها أقل عرضة للتقلبات، وأكثر قدرة على التكيف دون فقدان الاتجاه.
خلاصة القول: قدّمت تجربة المقاومة الوطنية- خلال السنوات الماضية- مثالًا نموذجيًا على كيفية تحول الهدف الواضح إلى أداة ضبط استراتيجية، تضمن استمرارية الأداء واتساقه وإيقاعه، وقد كان الالتزام الراسخ بالهدف الذي نشأت عليه هذه القوة منذ البداية عاملًا فاعلًا في تشكيل السلوك، وحماية المسار، والإبقاء على معركة استعادة صنعاء كأولوية لا تقبل الإزاحة أو التأجيل، وهذا بدوره منح المقاومة الوطنية انطباعًا استثنائيًا في الذاكرة الجمعية لليمنيين الذين آمنوا بها كمشروع لكل اليمنيين، ويعولون عليها كثيرًا في معركة الخلاص الوطني.







