كيف تسلل الموساد الى الدائرة المقربة من عبدالملك الحوثي؟

لم تكن الضربات الإسرائيلية المتلاحقة ضد قادة ومواقع تابعة لمليشيا الحوثي الإرهابية هي الجانب الأكثر إثارة في المواجهة الدائرة، إذ كشفت تقارير عبرية أخيرًا عن عمق الاختراق الاستخباراتي داخل بنية المليشيا، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن هشاشة منظومتها الأمنية وحدود سيطرتها الفعلية على أجهزتها العسكرية والاستخباراتية.

فبحسب ما تداولته وسائل إعلام عبرية، تمكن عميل أجنبي مرتبط بجهاز الموساد الإسرائيلي من دخول العاصمة صنعاء بهوية صحفي أمريكي، والتنقل بحرية داخل مناطق سيطرة الحوثيين، وصولًا إلى مواقع حساسة، ولقاء شخصيات قيادية في المليشيا الإرهابية، قبل أن يغادر من دون أن يُكشف أمره.

وتتقاطع هذه الرواية مع سلسلة تطورات ميدانية وأمنية شهدتها المليشيا خلال الأشهر الماضية، أبرزها الضربات الدقيقة التي استهدفت قيادات عسكرية بارزة، ومخازن أسلحة، وغرف عمليات، وهو ما عزز الانطباع بوجود اختراق استخباراتي يتجاوز مجرد الرصد التقني إلى النفاذ البشري داخل الدائرة المقربة من زعيم المليشيا عبدالملك الحوثي.

ما يجعل هذه المعلومة ذات أهمية، هو أنها تأتي في لحظة تقدم فيها المليشيا نفسها زعمًا على أنها رأس حربة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، بينما تتهم في الوقت ذاته مئات اليمنيين بالتجسس والعمالة، بينهم موظفون أمميون ومحامون وناشطون ومدنيون، وتهوي بهم في غياهب السجون، على الرغم من أن انكشافها الأمني مرتبط بعناصر رفيعة في صفوفها تعاون الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية بنفس الطريقة التي مر بها حزب الله كما يبدو.

لكن التقارير الإسرائيلية ترسم صورة معاكسة تمامًا لما تزعمه المليشيا؛ إذ تتحدث عن شبكة تسهيلات داخلية، وعناصر حوثية جرى تجنيدها أو استمالتها ماليًا، لتأمين مرور العميل الأجنبي بين النقاط الأمنية، وتمكينه من الوصول إلى معسكرات ومقار عسكرية.

وهنا تبدو المفارقة اللافتة بالنسبة لمليشيا تملك ثلاث منظومات استخباراتية وأمنية متداخلة جهاز الأمن والمخابرات، والأمن الوقائي، واستخبارات الشرطة، لكنها لم تتمكن من منع اختراق وصل إلى مستويات عليا، وربما إلى ما يعرف داخل المليشيا بـ”المجلس الجهادي”، وهو الدائرة الأمنية والعسكرية الأكثر حساسية.

تاريخيًا، لا تنجح عمليات الاختراق الكبرى فقط بسبب قدرات أجهزة الاستخبارات، إنما أيضًا بسبب طبيعة البنية الداخلية للجماعات المستهدفة، فالجماعات العقائدية المسلحة، خصوصًا تلك التي تنمو بسرعة في بيئات الحرب، تعاني غالبًا من تضخم شبكات الولاء، وتعدد مراكز النفوذ، وغياب المؤسسات الاحترافية، ومع مرور الوقت، تتحول العلاقات الشخصية والمصالح المالية إلى نقاط ضعف أمنية خطيرة.

ويبدو أن الحوثيين، رغم تحوطهم المستمر ومحاولاتهم البقاء في مأمن بحالة من الانغلاق شبه التام، لم يكونوا استثناءً من هذه القاعدة، فالحرب الطويلة، وتوسع شبكات التمويل، وارتباط المليشيا العضوي بمحور إقليمي يمتد عبر إيران وحزب الله والفصائل العراقية المسلحة، جعل من بنيتها أكثر عرضة للاختراقات المتعددة، أسوة بما واجه مشغليها في طهران أو نظرائها في العراق ولبنان.

كما أن اعتماد المليشيا على شبكات غير احترافية في الاتصالات والتنقل والتنسيق العسكري فتح الباب أمام اختراقات تقنية موازية، خاصة بعد تداول صور لقيادات حوثية تحمل أجهزة اتصال قالت وسائل إعلام إسرائيلية إنها من إنتاج شركة إسرائيلية أو تحتوي على تقنيات قابلة للاختراق.

في الحروب الحديثة، لا تكون الضربة الدقيقة مجرد عملية عسكرية؛ بل إعلانًا ضمنيًا عن مستوى المعرفة الاستخباراتية، ولهذا، فإن اغتيال شخصيات عسكرية بارزة داخل المليشيا، وتدمير مواقع حساسة في توقيتات دقيقة، دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن إسرائيل الى جانب اعتمادها على الأقمار الصناعية والمراقبة الجوية والتكنولوجيا المتطورة، فإنها تعتمد أيضا على مصادر بشرية داخلية توفر معلومات تفصيلية عن التحركات والاجتماعات والبنية العسكرية.

وتزداد دقة هذه الفرضية عندما يتعلق الأمر بالوصول الى أهداف بالغة الأهمية من قيادات من الصف الأول، مثل عبدالكريم الغماري، الذي كان ينظر إليه باعتباره أحد أبرز العقول العسكرية المقربة من زعيم المليشيا عبد الملك الحوثي، وهو الذي لقي مصرعه في غارة إسرائيلية الى جانب قيادات عسكرية وأمنية أخرى.

وحين تصل الاختراقات الأمنية إلى هذا المستوى، فإنها تنتج أزمة ثقة داخلية يصعب احتواؤها، فكل عملية اغتيال دقيقة، أو تسريب معلومات، تدفع الجماعات المغلقة إلى الشك المتبادل، وتوسيع حملات التحقيق والاعتقال، وإعادة ترتيب دوائر الثقة، وغالبًا ما تنتهي هذه الحالة إلى مزيد من الانغلاق والتشدد الأمني، وربما إلى تصفيات داخلية صامتة.

وفي حالة الحوثيين، تبدو هذه الأزمة أكثر تعقيدًا، لأن المليشيا بنت جزءًا كبيرًا من تكوينها الداخلية على خطاب النقاء العقائدي والانضباط الأمني، بينما تكشف الوقائع أن الاختراق قد يكون وصل إلى مستويات غير مسبوقة، جعلها تبدو مكشوفة أمنيًا أمام خصمها الأكثر خبرة في حروب الاستخبارات.

أخبار من القسم

تطورات الساعة

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية