تحليل| السلام الذي لم يعش شهرًا.. ما مصير الاتفاق الأمريكي الإيراني بعد التصعيد الأخير؟

لم يدم السلام المؤقت بين واشنطن وطهران سوى بضعة أسابيع، قبل أن يبتلعه مضيق هرمز من جديد، فالاتفاق الذي ولد بجهود باكستانية شاقة في منتصف يونيو الماضي، انهار عمليًا مع عودة هجمات الحرس الثوري على السفن في المضيق، ليعود شبح المواجهة الشاملة في الشرق الأوسط إلى نقطة الصفر، وبإيقاع أسرع مما توقعه أكثر المتشائمين في بيوت الخبرة بواشنطن.

الشرارة انطلقت من الممر المائي الأكثر أهمية لإمدادات الطاقة العالمية؛ حيث نفذ الحرس الثوري الإيراني عمليات عدائية منسقة استهدفت ثلاث ناقلات نفط، الناقلة السعودية «وديان»، والناقلة القطرية «الركيات»، بالإضافة إلى ناقلة ثالثة ترفع العلم الليبيري.

هذا الهجوم، الذي أكدته وزارتا الخارجية في الرياض والدوحة إلى جانب القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، كان بمثابة رصاصة قاتلة أطلقتها إيران على مذكرة تفاهم إسلام آباد التي لم يجف حبرها بعد.

إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تباهت قبل أسابيع بالتوصل إلى صيغة لوقف القتال، ردت استنادًا إلى عقيدتها التقليدية، رداً سريعاً ومضاعفاً. وجاءت الاستراتيجية الأمريكية هذه المرة ثنائية الأبعاد، لضرب قدرات طهران العسكرية وخنقها اقتصاديًا في آنٍ واحد، حيث شنت مقاتلات القيادة المركزية الأمريكية جولة عنيفة من الضربات الجوية، استهدفت 80 موقعًا إيرانيًا، بالتوازي مع تدمير أكثر من 60 زورقًا حربيًا سريعًا تابعًا للحرس الثوري في محيط مضيق هرمز.

على المستوى الاقتصادي، وفي خطوة قطعت شريان الحياة المالي الذي منحه الاتفاق المؤقت لطهران، ألغت وزارة الخزانة الأمريكية التراخيص الاستثنائية لبيع النفط الإيراني التي ولدت من جوهر اتفاق مذكرة التفاهم قبل 23 يومًا، وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) حظرًا صارمًا على أي معاملات نفطية جديدة اعتبارًا من السابع من يوليو الجاري.

ويمكن أن يعيد إلغاء ترخيص النفط طهران إلى مربع الضغط الأقصى اقتصادياً اذا ما اقترن بعودة الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وهو ما يعني أن واشنطن لم تعد ترى في مذكرة التفاهم أرضية صالحة للبناء، بل وثيقة ماتت إكلينيكيًا، كما عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أبدى غضبه من إيران وعد الاتفاق في حكم الملغي.

ويرى مراقبون أن السلوك الإيراني الأخير يعكس قرارًا من داخل دوائر القرار المنقسمة في إيران بالهروب إلى الأمام، خاصة وأنه لم يقتصر التصعيد على مياه الخليج، فقد سبقه تمهيد جيوسياسي خطير عبر الساحة اليمنية.

وكانت طهران اخترقت السيادة الجوية لليمن عبر إرسال طائرة هبطت في مطار صنعاء الواقع تحت سيطرة المليشيا الحوثية، محملة بخبراء من الحرس الثوري وأجهزة قيادة وسيطرة متطورة. ترافق ذلك مع تصعيد ميداني لافت لوكلائها في اليمن (مليشيا الحوثي)، في محاولة واضحة من طهران لفتح جبهات استنزاف متعددة تشتت التركيز الأمريكي.

وبدلاً من التراجع بعد الضربات الأمريكية الأخيرة، وسعت إيران دائرة استهدافها لتشمل الكويت والبحرين عبر اعتداءات جديدة، مما يشير الى أن السلوك العدواني الإيراني لم يتغير بعد، وأن إيران ما تزال تتصرف بنفس العقلية الفوضوية في استهداف جوارها العربي.

مع تلميح الرئيس ترامب إلى انتهاء اتفاق مذكرة التفاهم، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة رمادية خطيرة. طهران تراهن على أن الضغط على أسواق النفط العالمية وتهديد الملاحة في هرمز وباب المندب سيتسبب في أزمة طاقة تضغط على القرار السياسي في واشنطن والعواصم الغربية ما يمنحها مزيداً من التنازلات. وفي المقابل، فإن الإدارة الأمريكية بدأت أكثر وعيًا بما يريده الإيرانيون وتتصرف بلغة القوة.

أخبار من القسم

تطورات الساعة

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية