جنازات صامتة.. استنزاف بشري يدفع الحوثيين إلى التكتم على قتلاهم
لطالما كانت جنازات قتلى مليشيا الحوثي أكثر من مراسم لدفن الموتى؛ فقد استخدمتها أدوات الحرس الثوري في اليمن على مدى سنوات كأداة للتعبئة والحشد والاستعراض، وحولت التوابيت والرايات والشعارات إلى مشاهد دعائية توظف لتبرير الحرب واستقطاب المزيد من المقاتلين ودفعهم إلى محارق الموت في الجبهات.
لكن هذا المشهد بدأ يتغير أمام كلفة خسائر متزايدة وشبه يومية. فبدل الجنازات العلنية والاستعراضات التي اعتادت المليشيا تنظيمها في صنعاء ومناطق سيطرتها، تتحدث إفادات محلية عن تراجع واضح في مراسم تشييع القتلى، وسط تكتم على بعض الخسائر ودفن الجثامين بعيدًا عن الأضواء.
هذا التحول، إذا استمر، يحمل ـ وفق مراقبين ـ دلالة تتجاوز الجانب الإعلامي؛ إذ إن الإعلان عن أعداد كبيرة من القتلى لم يعد بالضرورة يخدم خطاب التعبئة، إنما قد يكشف حجم الكلفة البشرية التي تدفعها المليشيا في جبهات القتال، ويضعها أمام أسئلة متزايدة من عائلات المجندين والبيئة الاجتماعية التي تعتمد عليها في التجنيد في ظل حالة من الرفض والسخط تجاه المليشيا.
على مدى سنوات، كانت المليشيا الحوثية تحاول تحويل قتلاها إلى رموز تعبئة، فتقيم لهم مراسم تشييع واسعة وتسلط الضوء على سيرهم ومناطقهم وأدوارهم القتالية. أما عندما يصبح الإعلان عن الخسائر مصدرًا للقلق، فإن تقليص الظهور الإعلامي للجنازات قد يتحول إلى وسيلة للحد من أثرها على معنويات المقاتلين والمجتمع المحيط بهم الذي تستخدمه المليشيا خزانًا بشريًا لحشد المجندين.
وتشير إفادات محلية وميدانية إلى أن بعض الجثامين تحتجز في ثلاجات المستشفيات قبل دفنها، وأن إجراءات الدفن قد تتم بعيدًا عن المراسم المعتادة. وهي معطيات تعكس محاولة لإدارة آثار الخسائر البشرية، سواء عبر الحد من حالة الصدمة الاجتماعية أو تجنب اتساع الأسئلة بشأن مصير المقاتلين الذين يرسلون إلى الجبهات ويعودون منها جثثًا بلا ملامح.
في المحصلة، لا يعني غياب الجنازات العلنية بالضرورة تراجع الخسائر خصوصًا وأن ثمة خسائر مؤكدة يوثقها الإعلام العسكري للقوات المسلحة على طول خطوط المواجهة مع العدو الحوثي، خاصة عبر الطيران المسير، وهذا ما يعني أن حجم الخسائر التي تُمنى بها المليشيا المدعومة من إيران بات يحتاج إلى قدر أكبر من التكتم. وهنا تتحول الجنازة من أداة دعائية إلى عبء إعلامي واجتماعي، ويصبح إخفاء التوابيت محاولة لإخفاء كلفة الحرب التي ازدادت فاتورتها على المليشيا بشكل مضاعف.







