قالت صحيفة العرب في عددها الصادر اليوم الاحد 20 مايو 2018، إن "يوسف الشاهد بلا حلفاء في مفاوضات قرطاج، حيث هناك اتفاق على إقالة الحكومة، لكن المعارضة ترى أن الأزمة في التحالف الحاكم لا في الحكومة."

 

رغم تطابق التسريبات الدالّة على أن رحيل رئيس الحكومة التونسية الحالي يوسف الشاهد وكافة أعضاء فريقه الوزاري أصبح أمرا محسوما ومتفقا عليه من قبل مختلف الأطراف الشريكة في مفاوضات قصر قرطاج وخاصة منها الوازنة كالاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة أرباب العمل وحزبي الحكم نداء تونس وحركة النهضة، إلاّ أن تأجيل اجتماع الحسم في المسألة من الجمعة إلى الاثنين يُشير بقوة إلى وجود عدم توافق مزدوج الأبعاد. وفقاً لتقرير نشرته الصحيفة.

 

ويتعلق أوّل الاختلافات، على ضوء تسريبات الأسبوع الماضي، بالأسماء المطروحة لخلافة الشاهد لقيادة المرحلة القادمة إلى غاية 2019 رغم وجود توافق شبه كلي على كافة بنود وثيقة قرطاج2 التي سيتم توقيعها على الأرجح في اجتماع الاثنين.

 

أما ثاني الأسباب والذي جعل كل الأطراف تتربّص وتوافق على تأجيل الاجتماع إلى الاثنين فلا يخرج وفق الملاحظين عن دوائر ما رُوج مؤخرا عن أوراق ضغط داخلية أو خارجية ربما يكون الشاهد قد تسلح بها للإبقاء على حظوظه واسعة للبقاء في القصبة (قصر الحكومة)، ممّا يجعل الباب مفتوحا قبل الاجتماع الحاسم أمام سيناريوهات وفرضيات متعدّدة.

 

وقبل الاجتماع المرتقب الاثنين، أسرّت مصادر مطّلعة لـ "العرب" أنه رغم وجود توافق شبه كلّي على وجوب تغيير حكومة يوسف الشاهد برمّتها وبلا أي استثناءات بعد تقديم جرد مفصّل لنواقصها ومكامن فشلها، فإن الأطراف المشاركة في المفاوضات تجد صعوبة في تحديد شكل الحكومة المقبلة (كفاءات مصغرّة أو حزبية).

 

وفي اجتماع الاثنين الماضي الذي أكّد فيه الرئيس الباجي قائد السبسي في لقاء جانبي وغير معلن لنورالدين الطبوبي، أمين عام المنظمة النقابية وراشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، وحافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي لنداء تونس، أن حكومة الشاهد باتت في ذهنه حكومة تصريف أعمال.

 

ومنذ ذلك الاجتماع، لم يتقدّم أي طرف بأي اسم لخلافة الشاهد باستثناء المدير التنفيذي لحزب نداء تونس الذي تحرّك بأقصى سرعة لاقتراح بعض الأسماء مثل وزير السياحة سلمى اللومي أو وزير السياحة الأسبق في عهد زين العابدين بن علي خليل العجيمي، وذلك في وقت روّجت فيه أنباء مفادها أن الباجي قائد السبسي يفكر مليا بتكليف وزير الدفاع الحالي عبدالكريم الزبيدي لما يحظى به من إجماع بتشكيل الحكومة الجديدة.

 

رغم وجود توافق شبه كلي على وجوب تغيير حكومة يوسف الشاهد برمتها بعد تقديم جرد مفصل لنواقصها ومكامن فشلها، فإن الأطراف المشاركة في المفاوضات تجد صعوبة في تحديد شكل الحكومة المقبلة، كفاءات مصغرة أو حزبية

 

وأفادت مصادر نقابية مطّلعة لـ”العرب” بأن الرئيس التونسي حسم أمر يوسف الشاهد بعد أن شعر في الاجتماع الماضي بامتعاض وغضب الأمين العام للمنظمة النقابية نورالدين الطبوبي حين دعاه الباجي قائد السبسي إلى ترك خلافاته مع الشاهد خارج سياق اجتماعات قرطاج.

 

وأضافت نفس المصادر أن الرئيس التونسي عجّل بالدعوة إلى اجتماع ثلاثي جانبي تلى الاجتماع الرسمي لكل الموقعين على وثيقة قرطاج، الاثنين الماضي، ليطالب أبرز الأطراف الوازنة بالتفكير من جهتها في أسماء تكون قادرة على تعويض الشاهد في قيادة المرحلة القادمة.

 

وأفاد حفيّظ حفيّظ، الأمين العام المساعد بالمنظمة النقابية، في تصريح لـ”العرب”، بأن اتحاد الشغل لن يتراجع عن مواقفه التي أعلنها سابقا، مشيرا إلى أن يوسف الشاهد فشل طيلة عامين في إدارة الحكم وفي تنفيذ اتفاقات وبنود وثيقة قرطاج الأولى.

 

وتساءل حفيّظ عن مدى قدرة الشاهد أو فريقه الحكومي على الالتزام بتطبيق وثيقة قرطاج2 بعد أن تنكرّوا لكل اتفاقات وثيقة 2016 مما يجعل مسألة التغيير العميق محسومة.

 

 

أسماء جديدة على الخط

في خضم تواصل المفاوضات والاختلافات حول بقاء الشاهد من عدمه أو بشأن خليفته، يرى متابعون للشأن السياسي أن كل التقديرات الأولية تدل على تكرّر نفس سيناريو صائفة 2016 التي أقيل فيها رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد.

 

فرغم كثرة الأسماء والمقترحات المتأتية تحديدا من حزب نداء تونس، يُوجد إجماع كبير لدى الطبقة السياسية التونسية على أن الكلمة الحاسمة في هذه المسألة ستكون حتما بيد الرئيس الباجي قائد السبسي.

 

وتُشير العديد من القراءات إلى أن الرئيس التونسي سيستند كعادته على حنكته وخبرته السياسية ليقدّم لجميع الأطراف المشاركة في مفاوضات قصر قرطاج الاسم الذي يفكّر به ويراه مناسبا للمرحلة القادمة بعد تقييده بحزمة بنود تحصر مهمته في تطبيق وثيقة قرطاج2 دون التفكير في أي طموحات سياسية أخرى قبل الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والتشريعية القادمة في عام 2019.

 

ورغم فقدان يوسف الشاهد لجل الأوراق السياسية التي قد تمنحه ثقة ترؤس الحكومة المقبلة، فإن تحركاته الأخيرة وفق جل الملاحظين تدل على أنه مازال متشبثا بالبقاء في منصبه خاصة إثر اجتماعه بسفراء الدول السبع الكبار بالبلاد عشية اجتماع قصر قرطاج أو عبر تواصله المستمر مع أهم جهة مالية دولية مانحة لتونس وهي صندوق النقد الدولي الذي يُراهن بدوره على الشاهد لإكمال التجربة إلى غاية 2016.

 

واعتبر الكثير من الملاحظين أن رئيس الحكومة الحالي تلقى أيضا هدية ثمينة من أحزاب المعارضة التي أجمعت في جلّها على أن إقالة حكومة الشاهد لوحدها لا تعد الحل الأمثل لإنقاذ البلاد من أزمتها.

 

واتفق كل من محمد عبو، رئيس التيار الديمقراطي، والصحبي بن فرج، قيادي بحركة مشروع تونس، وعمار عمروسية، قيادي بالجبهة الشعبية في تصريحات لـ”العرب” على أنّ حكومة الشاهد فشلت طيلة عامين في إدارة كل الملفات وخاصة الاقتصادية.

 

واعتبروا أن إقالة الشاهد تدخل في خانة مواصلة حزبي الحكم انتهاج نفس الخيارات الترقيعية بهدف المحافظة على التحالف بينهما والبقاء في كرسي الحكم مهما كانت ظروف البلاد.

 

وتصطدم قشّة الأمل الأخيرة ليوسف الشاهد، وفق الملاحظين بمعطيات جديدة أملتها كواليس المفاوضات، حيث أشارت مصادر مطلعة لـ”العرب” إلى أنّ مقترحات الأسماء التي قدّمها حافظ قائد السبسي لم ترتق إلى مستوى تطلعات رئيس البلاد وهو ما دفع البعض من مستشاريه والمقربين منه لتقديم مقترحات بديلة في مقدّمتها مدير الديوان الرئاسي سليم العزابي أو وزير الداخلية الحالي لطفي براهم.

 

ويذكر أن سليم العزابي كان من أبرز المدافعين في 2016 عن اسم يوسف الشاهد كمرشّح لرئاسة الحكومة باعتبار أنهما كانا جنبا إلى جنب في تأسيس الحزب الجمهوري (ليس الحزب الجمهوري الحالي الذي يتزعّمه عصام الشابي) في 2011 عقب ثورة يناير 2011.

 

أما لطفي براهم فكان بدوره من مرشحي الرئيس التونسي لتقلّد وزارة الداخلية خلال التعديل الوزاري الذي أقدم عليه يوسف الشاهد. ويرى الكثير من المحللين أن براهم دخل بدوره على الخط طامحا في رئاسة الحكومة خاصة بعد محاولته الأخيرة مغازلة حركة النهضة -التي رفضته في وقت سابق- عبر حديثه الجمعة في البرلمان عن وجوب دفاع الدولة عن إسلامها بغلق المقاهي في رمضان.

 

وحول كل هذه الخيارات المطروحة، قال عصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري لـ”العرب” إن مشكلة تونس لا تتعلّق أبدا بالأسماء بل هي أعمق بكثير وتتمحور في جلّها حول فشل المنظومة الحاكمة الحالية في وضع برامج وتصورات تكون عملية وممكنة التطبيق على أرض الواقع مهما كان اسم رئيس الحكومة.

 

وأكّد أنه إن تم تغيير يوسف الشاهد فإن حزبي الحكم النهضة والنداء يقران بذلك بفشلهما وينصفان الأحزاب التي غادرت سابقا وثيقة قرطاج الأولى.

 

 

لا أصدقاء للشاهد

بغض النظر عن بقائه من عدمه أو فشله ونجاحه فإن “التمرّدات” المتكررة على الحكومة الحالية خاصة في الأشهر الأخيرة تتطلب وجوبا الوقوف عند كل المنزلقات التي جعلت الشاهد بلا أصدقاء أو حلفاء في اجتماعات قصر قرطاج.

 

ورغم إجماع كل الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج في عام 2016 على شخص الشاهد، فإن جبهات حروب واسعة سرعان ما انفتحت بينه وبين الأحزاب الحاكمة أو المعارضة من جهة وبين المنظمات الوازنة من جهة أخرى أو حتى مع مؤسسة رئاسة الجمهورية التي قدّمته ليتصدّر المشهد السياسي في وقت قياسي.

 

رئيس الحكومة يتلقى هدية ثمينة من أحزاب المعارضة التي أجمعت على أن إقالته تدخل في خانة مواصلة حزبي الحكم انتهاج نفس الخيارات الترقيعية بهدف المحافظة على التحالف بينهما والبقاء في كرسي الحكم مهما كانت ظروف البلاد
 

وبإجماع كل الملاحظين فإن أولى الحروب التي فُتحت ضدّ يوسف الشاهد كانت من حزبه نداء تونس وتحديدا من قبل حافظ قائد السبسي الذي أعرب في اجتماع للهيئة التأسيسية للحزب عام 2016 أن الشاهد تنكّر لحزبه لعدم تنفيذه إملاءات تتعلق بتسميات الوزراء أو المسؤولين في أهم مفاصل الدولة.

 

وبعد عام فقط من حُكمه، اصطدم الشاهد غداة إجراء تعديل وزاري جزئي، بصراعات أخرى متعدّدة الأبعاد ليجد نفسه بين نار دعوات المعارضة لإقالته بعد تدهور الوضعين الاقتصادي والاجتماعي وبين نار تفكّك الحزام السياسي المساند له بعد أن انسحبت أربعة أحزاب وهي حركة مشروع تونس والحزب الجمهوري وحركة الشعب وآفاق تونس من وثيقة قرطاج.

 

ورغم قدرة الرئيس التونسي على لملمة الوضع بالمحافظة على من تبقى من الموقعين على وثيقة قرطاج أو تدعيمها بضم منظمة اتحاد المرأة وإرجاع حزب الاتحاد الوطني إلى الوثيقة المرجعية للحكومة، فإن الشاهد اختار طريقا مغايرا نال إعجاب الرأي العام بخوضه كأول رئيس الحكومة في تونس الحرب على الفساد.

 

وأثار هذا الملف الأخير جدلا واسعا رغم مساهمته في جعل الشاهد يتصدّر استطلاعات الرأي طيلة أشهر، فحزبا الحكم نداء تونس والنهضة اعتبرا في الخفاء أن الحرب على الفساد انتقائية وسياسية بامتياز وقد تضر مصالحهما المشتركة بما يقضي على تحالفهما الاستراتيجي.

 

ويقول محمد عبو لـ”العرب” رغم أن الحرب على الفساد كانت انتقائية وسياسية إلا أنها أحرجت حزبي الحكم، النهضة والنداء، وجعلتهما يفكران مليا في تغيير الشاهد لأنها تتناقض مع مصالحهما وحساباتهما.

 

وما إن خفت ضجيج الحرب على الفساد، حتى فقد رئيس الحكومة الحالية آخر أهم مساندَين له وهما منظمة أرباب العمل عقب الإجراءات المتخذة في قانون الموازنة المالية للعام الجاري أو الاتحاد العام التونسي للشغل الذي سرعان ما تحول منذ مطلع عام 2018 من مساند للحكومة إلى أشدّ معارضيها وتحديدا حين اختار الشاهد التوجه إلى خصخصة مؤسسات القطاع العمومي.

 

أما القطرة التي أفاضت الكأس وجعلت الرئيس التونسي يسحب ثقته من يوسف الشاهد بصفة كلية فتتعلق بما كشفته مسودة قرطاج2 عن وجود حرب خفية بين قصري قرطاج والقصبة، حيث تضمّنت الوثيقة بندا صريحا وموجها بطريقة مباشرة للشاهد تم فيه الإقرار بأن رئيس الحكومة وفريقه الوزاري وجهوا بوصلتهم للانتخابات الرئاسية 2019 بدل تطبيق الأولويات المنوطة بعهدتهم لإنقاذ البلاد من أزماتها.

الدائرة تضيق (من صحيفة العرب اللندنية)
الدائرة تضيق (من صحيفة العرب اللندنية)

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية