أصبح اليمنيون يدركون أن صراخ الجماعة الحوثية والمتحوثين: "الموت لأميركا"، هو صراخ عبثي، من باب محاكاة الشعار الذي اقترحه خطيب ثورة الخميني .. لقد بات تقليدا إيرانيا لا أكثر من ذلك. شعوب إيران هي الأخرى تدرك أن هذا الشعار الذي ما يزال يصرخ به المتطرفون هناك لم يحقق أي أثر في أميركا منذ العام 1979 وحتى هذه اللحظة، تماما كما يدرك اليمنيون أن الحوثيين في اللحظة التي يكثرون الصراخ: بالموت لأميركا، يكونون قد اقتربوا منها، نظراً لأن المسؤولين الأميركيين يقتربون منهم.. ليس الحوثيون أسخياء في هذا الجانب، إذ يقتربون من المسؤولين الأميركيين ذراعا، ويقابل الأميركيون صنيعهم باحترام واقتراب.
 
في يوم أميركي ربيعي، وهو اليوم السادس والعشرين من شهر فبراير (قبل أقل من أسبوع من الآن)، دعي محمد عبد السلام -كبير المفاوضين الحوثيين والمتحدث الرسمي باسمهم- للحضور إلى متنزه في العاصمة العمانية مسقط، وكان صاحب الدعوة هو السيد تيموثي ليندركينج، الذي عينه الرئيس الأميركي الجديد جون بايدن مبعوثا خاصا من البيت الأبيض، إلى اليمن.
 
محمد عبد السلام، ممثل عبد الملك الحوثي، انتقل إلى المكان مسرعا، وعانق السيد الأميركي تيموثي.. ينبغي هنا حرمان المغرضين فرصة لتفسير الأمر تفسيرا خبيثا، إذ أن الاستجابة الحوثية السريعة لا تعني سوى أن صِلاتها واتصالاتها المباشرة مع المسؤولين الأميركيين كانت مستمرة طول الوقت، وأن الاجتماع بين مبعوث جون بايدن وممثل عبد الملك الحوثي ليس ذروة الصلات والاتصالات والاجتماعات واللقاءات المباشرة.
 
بعد تسريب الأميركيين الخبر، بدا الحوثيون محرجون، وتخبطوا بين النفي الخجول والتوكيد الصريح. قال عبد السلام : لم نلتقِ المسؤولين الأميركيين مباشرة، بل التقيناهم عبر الجانب العماني، بينما قال القيادي الثالث في الجماعة محمد الحوثي – وهو أيضا عضو المجلس السياسي للحوثيين: إن اللقاء بين ممثل الجماعة وبين الأميركيين، كان لقاء بين أعداء السلاح وليس رفاق السلاح، حسب وصفه، وهو بذلك يؤكد حدوث اللقاء، الذي أكده ايضا القيادي الحوثي محمد البخيتي الذي عينه عبد الملك الحوثي محافظا لمحافظة ذمار، إذ كتب يقول: أبلغنا المسؤولين الاميركيين أننا مستمرون في هجماتنا للنهاية.
 
ومع ذلك يبقى الأمر المهم، وهو على ماذا اتفق مبعوث الرئيس الأميركي بايدن، وممثل  عبد الملك الحوثي في سلطنة عمان؟ لقد كان على الاثنين الاجتماع بعيدا عن عيون الفضوليين.. قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية: لن نصدر تعليقات على كل المناقشات التي أجراها تيموثي مع الحوثيين.. بل كان الأميركيون قد قدروا أن  اجتماعهم مع جماعة "الموت لأميركا"، ينبغي أن يبقى سراً كونه تم بين مسؤولين كبيرين هذه المرة.. 
 
لكن للجدران آذان كما يقول المثل العربي..  وحتى إن لم تتنصت الآذان فهناك دلائل يفهمها من ليس له أذنان جيدتان.. تيموثي كان قبل هذا الاجتماع قد زار المملكة العربية السعودية، وزار دولة الإمارات والكويت وقطر.. وهي ما هي في نظر الجماعة الحوثية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية كانت التصريحات والبيانات الحوثية حميمية بالنسبة للأميركيين.. لعل الذين قرأوا بيان المكتب السياسي للجماعة حول العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على منصور السعدي، وأحمد الحمزي، وقبلها عقوبات مجلس الأمن على سلطان صالح عيضة زابن، قد لاحظوا اقتصاداً في الذم والعتب.. بل كان آخر بيان أصدره المجلس السياسي للجماعة، مقتضبا مؤدبا ناعما.. حيث قال في البيان: العقوبات لا جديد فيها. ما يعني مقبولة أو تحتمل.. وقال أيضا: لم تكن ضرورية ما دامت الإدارة الأميركية قد أبدت رغبة.. ونعم الرغائب، والموت لأميركا!
 
ربما فهمت الجماعة الحوثية السياسة المبكرة للرئيس جون بايدن خطأ، لكن في اجتماع مسقط عرفت من هو وزير خارجية بايدن، نعني انتوني بلينكن الذي اختار تيموثي مبعوثا خاصا.. لذلك قرر ممثل الجماعة الخضوع له بوصفه صديقا، وبوصفه يمثل سيد السادات لجماعته، لذلك يسهل تفسير دوافع النعومة الحوثية، ويعضد ذلك ما قرأناه في مرجع (مقرب) من الإدارة الأميركية أن السيد تيموثي أخبر ممثل عبد الملك الحوثي إن إيران بعد الانتخابات الرئاسية التي ستنظم في يوليو القادم ستتبع سياسات مختلفة عن سياسة المحافظين، وأن نفوذ إيران في بلاد العرب سيقلص بالتدريج، وأن أميركا ستضرب الجماعات المسلحة الموالية لطهران أكانت في العراق أو سوريا أو غيرهما.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية