تتجول كل يوم في شوارع قد سئِمت منها وسئمتْ منك، تقرأ فيها هذيان البشر من ملامحهم بينما يسيرون كالمجانين، تتجول مع سجائرك بطريقة التائهين في أماكن مزدحمة ومخيفة، أماكن قد صارت نتنة من شدة الفقر الجاثم على أرصفتها، يميل بك التعب والإرهاق إلى ركن يطل على شارعين عريضين، الناس هنا يُسمّونها أرقى طرقات المدينة، تستمع من مكانك إلى صراخ عالٍ يأتي من قلب الجولة القريبة، مكبرات الصوت الضخمة تبث محاضرات عناصر الحوثي وخطاباتهم، كلام لا يطيقه أحد، لو لم يكن كذلك لما صار سلعة رخيصة يبثونها في الطرقات، يبثون زوامل وأناشيد وعبارات تحث الناس على الموت والخضوع لأسرة، لم تكفهم عشرات الإذاعات على ما يبدو، هذه المكبرات المستفزة دليل قطعي على فشلهم الفكري بعد سنوات من المكر والخداع.. 
 
من الأنحاء، تمر سيارة خضراء فاقع لونها تحمل مكبرات صوت أخرى تبث المزيد من المحاضرات والأناشيد والزوامل، وتدعو الناس لحضور الاحتشاد صباح اليوم التالي، هكذا في كل مكان، وفي كل النواحي ، لا تستطيع أن تفر منهم أو تنجو بعالمك وحياتك، فاشلون يتناقضون مع أنفسهم، ضجيج لا يطاق، وجدران ملطخة بشعاراتهم وعباراتهم وتفاصيل خداعهم، جدران المدينة شاهدة عليهم، أزالوا منها كل رسومات اليمنيين والشباب الهواة، طمسوا اللوحات الملونة بالحب والسلام وكتبوا على أطلالها عبارات الموت والقتل والدمار.. 
 
ما هذه اللعنة التي تحكمنا؟ يتساءل معظم الشباب في أنفسهم كل يوم، هل هذا مصيرنا النهائي؟! لا أحد يعلم الإجابة، هذه السلطة التي تحكم المدينة لا تصنع لشعبها شيئًا عدا الزوامل والمحاضرات ومحو السلام من شوارع المدينة، هذا ما يحدث حينما تحكمك العصابات! 
 
في الأثناء تتوقف سيارة بيضاء "لقزز" معكسة ومدرعة تحمل شعاراتهم وملصقاتهم وبقايا أشكال الموتى، ينزل منها أربعة مسلحين كأنهم مفخخون من شدة التسليح والتمترس، يرتدون جواكت عسكرية غير مرتبة وعلى رؤوسهم سنوات من الشَّعر الكثيف يغطي ملامحهم ووجوههم، وفي أفواههم خليط عجيب من القات والتبغ والتباهي الغليظ، لم يغلقوا أبواب سيارتهم بينما يدخلون أحد المحلات التجارية، يصاب الجميع في الشارع بالذهول، تطبق لحظة صمت عارمة ونظرات شاخصة تكتسح المكان، يقول أحد المذهولين بجواري: لقد حُسم الأمر، لقد وصل زبانية الجحيم يجمعون الجبايات بمسميات عدة، هذه البلطجة في قلب المدينة صارت تصرفات روتينية ويومية،
هذا الموقف "الإمامِي المتبلطج" يستحق وبجدارة سيجارة إضافية للتفكير فيه، لم أكلف نفسي عناء البقاء لمعرفة النهاية والتفاصيل، كل شيء واضح وجلي من العنوان.. هذا ما يحدث كل يوم حينما تحكمك العصابات! 
 
أعود في طريقي وأصادف قلابًا كبيرًا وجديدًا يجمع القمامة، وفي مقدمته شعار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "UNDP"، في واقع يثير الكثير من الضحك والحسرة، الأمم المتحدة تجمع القمامة من شوارع الدولة!! وهؤلاء الحوثيون مشغولون بزراعة الألغام وجمع الضرائب والإتاوات. هل هذه الحقيقة؟! نعم إنها الحقيقة وألف حقيقة. أسير قليلًا وأقابل وايتات الماء الزرقاء حاملة شعار "اليونيسف" التابع للأمم المتحدة، يشتري العالم الماء من الحوثيين ويوزعونه للحارات والتجمعات والمستشفيات، لا يدري الواحد منا ما يصنع تجاه ما يحدث لنا، هل يبكي أم يضحك أم يهذي من سلطة جعلت من معظم شعبها شحاتين وجائعين والبقية دفنتهم في مقابرها الممذهبة، هكذا تنص اللعنة حين تحكم العصابات..
 
أسير في الشارع، ويسير بجواري الكثير ممن لا يملكون قيمة المواصلات، لقد تعود الناس على هذا الأمر وتاقلموا عليه كثيرًا..
وفي ذروة المشي والتفكير ترمق عيناي منارات مسجد الصالح بعد الغروب، كأنها ترثي حالها وسط الظلام، الله كيف أصبح هذا المكان بائسًا! ذهبت الأضواء وغادر المعجبون وبقي المكان مظلمًا وخاويًا ومخيفًا وممذهبًا ولا يقترب منه سوى المتطرفين، كأنهم ينتقمون من المكان حقًا، يرتفع الأذان في المنارات بعد صلوات وتسابيح وتحاميد يتمنى المؤذن فيها الخير والثواب لسلالة بعد أن وضعها موضع آل بيت رسول الله المقدسين، رفع صوته بالأذان ، لا يجيبه أحد ولا يدخله أحد، ولا يلتفت نحوه أحد، ربما لم يعد المسجد للصلاة بقدر ما صارت منارات ونواحي للتباهي بنصرهم اللئيم- المؤقت- على اليمنيين..
 
يصل بي الطريق إلى مفترق من التعب بين الشمال والجنوب، أقرر ألا أعود، ما زال في الوقت الكثير من الفراغ، أعود للجلوس مجددًا في رصيف يغشاه الظلام، ومن أمامي يمر الكثير من اليمنيين المقطوعين من الحياة، وعلى ظهورهم متاع همومهم الرث محمولاً بعصا مسافري الصحراء القدامى، هؤلاء بعض من المتسولين في الطرقات، يدخلون المحلات كلها لطلب الصدقات بعد أن يئسوا من ذكريات الدولة والحياة، أرفع رأسي قليلًا.. قليلًا فقط، لتقع عيني على عدة عمارات بيضاء ناصعة، ضخمة ومرتفعة وجديدة ، عمارات تشرح لنا وضع المدينة السياسي بين الماضي والحاضر، هذا المنظر الحقير يستحق أيضًا سيجارة إضافية للتفكير حول عمارات زمن الحرب والحصار والجوع والفقر والموت والمرض، زمن مليشيا الحوثي، أتأمل من مكاني العمارة الأخرى وقد تجاوزت بارتفاعها وعرضها وفخامتها مباني ما يزعمون أنه الفساد القديم، هذه العمارات بُنيت خلال أشهر، كأنما نزلت من السماء في ساعة السحر على أحد الأولياء الطاهرين، عمارات الفساد الحوثي أكبر بكثير وأغلى بكثير وأفخم بكثير وأرفع بكثير وأعرض بكثير من عمارة  ما أسموه" الفساد القديم" ، وبلا شك هناك فرق أخلاقي بين الزمن السياسي المستقر في الماضي وزمن الحرب والحصار وانقطاع المرتبات.. هذا ما يحدث حينما تحكمك العصابات! 
 
هل أكمل طريقي؟ نعم سأفعل! 
 
أعود للمشي، أسير في شوارع لا يضيء فيها سوى محلات الصرافين ومحطات بيع البترول والديزل، محلات الدولارات المرتفعة والبترول المعدوم، بين كل عشرة محلات ستجد محلًا جديدًا للصرافة ومحطة جديدة تبيع البترول المعدوم، هذه المحلات ظهرت في زمن الحوثي، زمن الحصار والفقر والجوع والموت المجاني.. أنعطف يسارًا لشراء نصف باكت سيجارة، يسألني صاحب الدكان أي سيجارة تريد، شملان أم كمران أم مانشستر أم ماك أم كمران أم هذه الحمراء أم تلك السوداء أم هذه أم تلك؟! وإذا ما كنت أريد سيجارة رسمية أم غير ذلك، ضحكت وقلت أريد "حشيش"! ابتسم وقال بكم تريد وأي نوع وتركيز تريد؟! كل شيء متوفر، كل شيء يجلب المال يقومون بتوفيره، أنت في زمن العصابات يا صديقي، هذه السجائر الغريبة والجديدة والرخيصة حكايتها تشبه تمامًا حكاية الأدوية الجديدة والغريبة والرخيصة المنتشرة بشتى الصيدليات والمستشفيات، هي سلع ومنتجات يجلبها تجار الحوثي بلا ضرائب أو معايير جودة ويبيعونها في أسواقنا الفقيرة، الأسواق الباحثة عن الرخيص، يشترونها بأسعار رخيصة وبدون أدنى معايير للنقل والتخزين ويبيعونها لشعبهم، هذه البضائع والمنتجات تكون مرفوضة حتى في أفريقيا، بينما تُباع في أسواقنا كالنار من سرعتها وسهولتها.. هذه طريقتهم في الحكم ليس إلاّ، بل هي معرفتهم القاصرة لطريقة الثروة الأسرع، حياة الناس ومصائرهم وصحتهم صارت سلعة في ثنايا سلطتهم، لا شيء أكثر.. وهذا ما يحدث حينما تحكمك العصابات! 
 
أشتري نصف باكت بمائة ريال وأنصرف.. 
 
عند التاسعة مساء، أصل مستشفى الثورة العام بباب اليمن، أكبر مستشفيات الوطن، الوطن المكلوم ، أصل إلى قسم الغسيل الكلوي كي أرافق مريضًا يريد الغسيل، هكذا دائمًا يصل مريض الغسيل الكلوي وينتظر عشر ساعات أو أكثر ليتمكن من الوصول للكرسي، مستشفى الثورة تحول إلى وكر وحانة ابتزاز للناس المرضى والضعفاء.. تخيلوا معي لبرهة.. شخص مريض في أسوأ حالاته الحرجة يخضعونه للابتزاز كي يعطيهم المال، إذا ما أراد المريض الأولوية في الغسيل؛ فعليه أن يدفع ، معظم المرضى هنا يأتون من أماكن بعيدة ويمكثون عند أبواب المركز ساعات وساعات طويلة لينقذوا حياتهم ليس إلّا، مع الأيام تجادلنا كثيرًا، لكنهم مجرد ممرضين يملؤهم الحقد والانتقام، كأن هؤلاء المرضى العاجزين هم من أوقف الرواتب، كأنهم هم الحرب والحصار اللذين عصفا بالبلد، الكثير من الممرضين والأطباء المحترمين غادروا المركز وجاء بدلًا عنهم بضعة أشخاص فاشلين يتعلمون وينتقمون من الناس، الشرفاء لا يبقون في الأوكار والحانات اللعينة، هؤلاء الممرضون العاهات يريدون جمع ما أمكنهم عبر ابتزاز المرضى، يتمنى المرضى هنا أن يموتوا، الموت بصمت، كرامة المرضى مستباحة بفعل من يشغلون مركزًا لغسيل الكلى في مستشفى الثورة العام بصنعاء، لم يعد في العمر متسع للصبر على هؤلاء الحثالات، هؤلاء المنتقمون والحاقدون والحثالات يرفضون تسليم هذا المركز للمنظمات الدولية لإدارته تمامًا كبقية المراكز الأخرى، يرفضون لسبب وحيد، لأنهم يتاجرون بالمرضى ويلزمونهم الدفع مقابل الغسيل وشراء المغذيات التي لا يستخدمونها على الإطلاق، هم يجبون الإتاوات عنوة عندما يطلبون شراء أدوية ومستلزمات موجوده لديهم مسبقًا..
 
بعد اثنتي عشرة ساعة، تمكن مريضي من الوصول إلى كرسي الغسيل الكلوي، حينها طلب مني الممرض شراء مغذية لغسل الجهاز، طلب مني مغذية ملح وعشرات كراتين مغذيات الملح مكدسة لديهم؛ لكنه أسلوبهم، لن أجادل حتى لا يطردون مريضي بالقوة، غادرت لشراء المغذية من صيدلية طوارئ المستشفى، أخبرني الصيدلي هناك أنها بخمسمائة ريال، رفضت الدفع وفضلت الخروج لشرائها من خارج المستشفى، دخلت أول صيدلية مقابلة للمستشفى، طلبت المغذية وسألني العامل فيها عن الغرض منها، أخبرته أنها لمريض فشل كلوي، أعطاها وقال هي مجانًا لمرضى الفشل الكلوي، صدمة عظيمة حقًا، صيدلية المستشفى الحكومي، مستشفى الشعب لو صحت العبارة، يبيعون لشعبهم الأدوية والمستلزمات بأرباح مضاعفة وصيدلية مواطن عادي يوزعها مجانًا!! أي حال وأي مصير وصلنا إليه يا الله؟! هذا ما يحدث حقاً حينما تحكمك العصابات! غادرنا المستشفى في الثانية عشرة ظهرًا من اليوم التالي، ثلاث عشرة ساعة قضيناها هناك، وصلنا في التاسعة مساء وغادرنا ظهيرة اليوم التالي!! من أجل ماذا؟! من أجل أن ينقذ المريض حياته، هكذا سيعيد الأمر بعد يومين، هؤلاء المرضى المساكين يقضون حياتهم بأكملها عائدين ومغادرين بمعية ممرضين يخضعونهم للانتظار والابتزاز وشراء المغذيات.. لعنة الشعب أعظم وأمرّ أيها الأوغاد..
 
بعد مغادرتي لمستشفى الثورة مررت بجوار مدرسة الشعب في الشارع المقابل، وعند أبوابها رأيت المئات من الرجال والنساء والأطفال يفترشون الرصيف والطريق والأماكن المجاورة كالمشردين تمامًا.. 
ما الأمر؟! سألت أحدهم.. قال: هم ينتظرون صرف الدقيق والسكر والرز والزيت والفاصوليا من الأمم المتحدة، لكنهم لم يستلموا حصصهم منذ شهرين، برنامج الغذاء العالمي WFP أوقف التوزيع في صنعاء لأن الحوثيين يأخذون السلال الغذائية ويوزعونها على مناصريهم ومؤيديهم وأعضائهم، برنامج الغذاء العالمي لديه كشوفات جديدة يرفضها الحوثيون، والحوثيون لديهم كشوفات قديمة يرفضها البرنامج، والناس بينهما ينتظرون في الشوارع وعند الأبواب كالمشردين، هذا ما يحدث حين تحكمك العصابات، وهو ما يحدث حينما يخرج الناس من بيوتهم جائعين ويفترشون الشوارع.
 
هكذا يحدث في تفاصيل اللعنة؛ يصير الشعب شحاتًا والأوغاد أبطالًا، عندما تحكم العصابات لا تفكر بشيء سوى أن تبقى على قيد الحياة، هذا المصير لا يستحقنا ونحن لا نستحقه.. أحيانًا أخرى أفكر بطريقة مختلفة؛ ماذا لو كان "كنيدي" صادقًا عندما قال: كل مجتمع يحصل على نوع المجرمين الذين يستحقهم.. لكني وفي كل مرة أعود للتفكير بماهيّة القول النقيض حينما أجاب علي "كيندي" قائلًا: وكل مجتمع يحصل على القانون الذي يصر عليه. 
 
 
يتبع…
 
....
نحتفظ باسم الكاتب خشية تعرضه للاعتقال

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية