عند الولوج إلى العاصمة المختطفة صنعاء (وسط اليمن) الواقعة تحت سيطرة المليشيات منذ العام 2014 م، لا تكاد تمر من شارع واحد دون أن تجد أمامك عدداً هائلاً من المتسولين الذين قذفت بهم الحرب الحوثية إلى العراء طالبين ما يسد رمق جوعهم من المارة.. تعجُ الأماكن العامة كالأسواق والجولات وعلى الأرصفة وأمام المطاعم والمقاهي وقبيل الجامعات والمدارس بمئات المتسولين لأجل لقمة العيش. 
 
لجأت سامية (30 عاماً)، في العاصمة المختطفة صنعاء، إلى التسول والبحث عن فتات الأطعمة مما يتركه الناس من مخلفات وبقايا الطعام في المطاعم والأسواق، بحرقة تقول لـ"وكالة 2 ديسمبر" إنها لم تعد تملك شيئاً في المنزل، وليس لها ولعائلتها أي مصدر رزق بعد انقطاع راتب زوجها- الذي يعمل معلماً- من قِبل المليشيات الحوثية على مدى 8 سنوات، الأمر الذي دفعها إلى التسول كي تعول أبناءها السبعة، بعد تخلي الجميع عنهم. 
 
التشرد على أرصفة الشوارع 
 
مئات المشردين في شوارع صنعاء يفترشون الأرصفة ويتخذون منها مأوى لهم ولأطفالهم، حيث تعاني الأسر الفقيرة والمشردة الفقر والحرمان بفعل التجويع الحوثي المستدام، تفتقر لأدنى أساسيات المعيشة من طعام وماء وتدفئة ومأوى يحميهم من المخاطر. 
 
 هكذا تروي الخمسينية سعاد لـ"2 ديسمبر"، وتضيف: نحن هنا نعيش تحت جسر "الصداقة" أنا وأطفالي الثلاثة بعد أن يذهب أبوهم ليتسول في شوارع صنعاء لجلب قوت يومنا؛ لا يوجد لدينا غذاء يسد رمق جوعنا ولا دواء لمعالجة الأمراض المنتشرة، والمؤلم أني لا أجد المال اللازم لشراء غذاء لهؤلاء الأطفال، خاصة في ظل هذا الشتاء القارس، حتى الطعام لا نجده في أكثر الأحيان، ونضطر إلى التسول من الجارة لتعطينا مكرمة من الطعام.
 
وتابعت: حالنا مثل تلك المرأة التي كانت تصيح قهراً وحزناً على حالها وحال كثير من الناس الذين عجزوا عن توفير لقمة العيش في ظل الهيمنة الحوثية واستمرار الشتات في المدينة.. كانت قد انهمرت دموعها وهي تطالب بالعون والمساعدة. 
 
معاناة أخرى، تبعد عن سعاد خمسة أمتار فقط، تعيشها فاطمة (35 عاماً)، التي تحكي لـ"وكالة 2 ديسمبر" مأساتها: بعد أن أقدمت المليشيات الحوثية على طرد ابني من وظيفته التربوية الخاصة في المعهد، والزج به في السجن بتهمة رفضه ترديد "الصرخة"، والذي كان يعيلنا عقب وفاة أبيه؛ أجلس على عتبة هذا الحائط منذ الساعة السادسة صباحاً حتى التاسعة مساء، أمد يدي إلى المارة والسيارات، لأوفر قيمة علاج لولدي معاذ (16 عاماً) المصاب بالثلاسيميا، والحصول على لقمة العيش".. تتابع، بغصة: الجوع أجبرنا على النزول لهذا المستوى من المذلة، بالإضافة إلى سوء معاملة بعض المارة واحتقارهم بشكل كبير؛ حيث لا يوجد في ذلك الكشك الذي نسكن فيه حتى كيلو دقيق أو أي شيء قابل للأكل.
 
في ظل غياب أي مؤشر جدي إلى إنهاء الحرب من قِبل المليشيات الحوثية، تستمر معاناة اليمنيين، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هناك نحو 16 ألف أسرة في العاصمة المختطفة صنعاء، تعاني التشرد والمبيت في العراء وانعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل مؤشرات لمجاعة وشيكة. 
 
الوجه الآخر للتسول 
 
على باحة كلية الآداب بجامعة صنعاء، تتربع مها (48 عاماً)، التي تسرد لـ"2 ديسمبر" قائلة: نزحت من جحيم الحرب الحوثية في الحديدة بعد أن قُتل زوجي بلغم حوثي في البحر أثناء ذهابه للعمل في صيد الأسماك، حيث انفجر بهم لغم بحري هو ورفاقه وقضى عليهم جميعاً، لم ألقَ ما يسد رمق أطفالي، كان الخيار الوحيد التسول لتأمين الغذاء. 
 
تضيف: أعيش في منزل سكني مدمر في الحصبة أنا وأطفالي الخمسة، جئت إلى الجامعة وهم يتضورون جوعاً فلا يوجد طعام في المنزل، أسلك كل يوم هذه الطريق لتسول لقمة العيش.. تختم والدموع تتساقط من عينيها: كفاية حرب، لا أقدر على العيش في هذا الجحيم والفقر المدقع. 
 
إلى جانب قصر الرئاسة عند مدخل أحد المحلات يتدافع العشرات، أطفال وكبار طاعنون في السن، من كل مكان طمعاً في أخذ الصدقة، عندما سألنا أحد الأطفال، قال لـ"2 ديسمبر": أذهب إلى هذا الشارع لمسح زجاج السيارات والتسول حتى أضمن حق الإيجار، أساعد والدي في احتياجات المنزل.. يوضح: كان أبي لديه محل تجاري، لكن أفلس بسبب الأوضاع، وعاد للعمل في عَرَبة "التوصيل"، وأخي الآخر يتسول في باب اليمن.
 
عبارات متكررة ومؤلمة، ومشاهد تخدش الإنسانية في صنعاء، الرازحة تحت سيطرة المليشيا الكهنوتية المدعومة إيرانياً، لأطفال يتم إقحامهم في مهنة التسول المهينة، ليس وحدهم الأطفال بل النساء يطفن بأطفالهن بعضهم لم يكمل الشهور، منذ الصباح الباكر حتى آخر رمق من ليل مدينة صنعاء الطويل.. صورة محزنه تعكس الوجه القبيح لمليشيا الحوثي في المدينة. 
 
زيادة الظاهرة 
 
يرى الباحث في علم الاجتماع، أمين دحلان، في حديثه
لـ"2 ديسمبر"، أن الحرب المستعرة على المواطنين المقيمين تحت سيطرة المليشيات الحوثية، وتردي الأوضاع المعيشية وتوسع رقعة الفقر والبطالة وانقطاع سبل العيش وعدم صرف رواتب موظفي الدولة المتوقفة منذ ثمانية أعوام، من أهم الأسباب التي رفعت عدد المتسولين في شوارع صنعاء، إضافة إلى الصراع المسلح وما نتج عنه من نزوح قسري وفقد الناس مواردهم الاقتصادية التقليدية وغير الثابتة أصلاً، وتحرك الطبقة الوسطى التي تمثل الغالبية العظمى من السكان إلى مستويات أدنى في سلم الرفاه الاقتصادي وانهيارها إلى مستوى أدنى من خط الفقر.
 
في ذات الصدد، يرى أستاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء- نتحفظ عن ذكر اسمه خشية على حياته- إن عبث المليشيات الحوثية المستمر بالمال العام وسياسات القمع والنهب والسلب التي تنتهجها، تُعد من العوامل الرئيسية التي أجبرت آلاف الأسر على التشرد والتسول للحصول على وجبة طعام أساسية، مضيفاً: مليشيات الحوثي أوصلتنا إلى حالة المجاعة والتسول أكثر مما كان في السابق.
 
ينهبون الجياع ويبنون القصور
 
في زمن المليشيا الحوثية، ترتفع العمارات فجأة، متعالية على أنين الجياع الذين يُجبرون على ملء بطونهم الخاوية من براميل القمامة.. يقول أحد العاملين في بيع الذرة (م. ق . ه)، لـ"2 ديسمبر": الحوثيون أهدروا كرامة الناس وجعلوا ثلثي اليمنيين يعيشون على التسول وبراميل القمامة، لا يمر علي يوماً دون أن أرى شخصاً يأكل من النفايات المعفنة، الوضع مأساوي وفوق إمكانية الوصف، قيادات المليشيات الحوثية وتابعوهم يهمهم في الدرجة الأولى جمع أكبر قدر من الأموال، حيث أصبحوا يشكلون طبقة من الأغنياء، لديهم القصور والمباني الفاخرة والسيارات الفارهة والشركات العملاقة، لكن الفقراء يتغذون من المكبات القذرة، فقد أصبحت أيامنا معاناة مكتملة.
 
أحد المعلمين في صنعاء المختطفة من قِبل المليشيا، يشرح الوضع قائلاً: أذكر أحد الأشخاص لم يكن شيئاً؛ لكنه اليوم من الأثرياء في المدينة، معه ثلاث سيارات ومنزل فخم، بينما نحن نعيش من مساعدات الآخرين.. يضيف: المدينة ميتة كلياً، لا يوجد أحد يتمتع بمعيشة كريمة في ظل النهب الحوثي لحقوق المواطنين.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية