ألحقت الحرب التي أشعلتها مليشيا الحوثي في البلاد منذ انقلابها على مؤسسات الدولة واقتحامها للعاصمة صنعاء في 21 سبتمبر من العام 2014 خسائر فادحة وتكلفة باهظة دفعت ثمنها القطاعات الاقتصادية والإيرادية والخدمية، علاوة على تعطيل الموارد وتأميم الممتلكات العامة والخاصة وتراجع إجمالي الناتج المحلي للقطاع الخاص.

وفي جانب الخسائر المالية الناتجة عن ضياع فرص تشغيل الموارد اليمنية، قدرت الأمم المتحدة الخسائر التي تكبدها اليمن، خلال سنوات الحرب الماضية، بنحو 126 مليار دولار من النمو الاقتصادي المحتمل.

ففي جانب الأداء الاقتصادي الكلي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي اليمني بصورة كبيرة بنسبة 50% بحسب نتائج دراسة أعدها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، كما تدهور سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وفقد الريال جزءاً ضخماً من قوته الشرائية، مما أدى لارتفاع أسعار السلع الغذائية، وتأثر معيشة المواطنين وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وحدوث أزمة في المشتقات النفطية.

وارتفعت نسبة البطالة إلى 40% ونسبة الفقر إلى 80% من السكان، فضلاً عن حدوث تدهور حاد في منظومة الخدمات الاجتماعية الأساسية نتيجة استمرار مليشيا الحوثي في حربها ضد اليمنيين وتقويض الاقتصاد الوطني ونهب الموارد العامة.

ونتيجة تدهور بيئة الأعمال ونهب مليشيا الحوثي للرواتب للعام الثامن على التوالي على أكثر من مليون ومائتي ألف موظف في مناطق سيطرتها، فقد أصبح أكثر من 24.1 مليون شخص في حاجة للمساعدة، وأخذت الأزمة الإنسانية أبعاداً مختلفة تتضمن نزوح حوالى أربعة ملايين شخص داخلياً وحوالى مليونين خارجياً.

كما ارتفع حجم الدين العام الداخلي بمقدار 1.575 تريليون وخمسمائة وخمسة وسبعين مليار ريال خلال العام الجاري بفعل الأزمات الاقتصادية الحادة التي أحدثتها نكبة 21 سبتمبر في مجمل القطاعات الاقتصادية والإنتاجية في البلاد.

وأصدر البنك المركزي في عدن تقريراً حول المؤشرات المالية والنقدية خلال الفترة يناير – يونيو 2023 كشف أن الدين العام الداخلي ارتفع بمقدار 1.575 تريليون ريال ليصل نهاية يونيو 2023 إلى 5.02 تريليونات ريال، مقارنة مع 3.449 تريليونات ريال خلال الفترة المقابلة من العام 2022م.

وارتفع عجز الموازنة العامة للدولة خلال العام الجاري إلى 593.1 مليار ريال بفعل هجمات مليشيا الحوثي الإرهابية على موانئ ومنشآت تصدير النفط الخام، في محافظتي حضرموت وشبوة.

وتعمقت الأزمة الاقتصادية وتأثرت الميزانية العامة للدولة في اليمن حينما توقف مصدرها النابض المتمثل بتصدير النفط منذ أكتوبر الماضي نتيجة تصعيد ميليشيا الحوثي حربها الاقتصادية على الحكومة الشرعية باستهداف موانئ ومنصات تصدير النفط في شبوة وحضرموت وإجبار التجار على الاستيراد من موانئ الحديدة، وعدم إدخال البضائع من المناطق المحررة إلى مناطق سيطرتها، بالإضافة إلى منع دخول الغاز المنزلي من حقول صافر إلى مناطقها واستبداله بالغاز المستورد.

خسائر قطاع الطاقة

يأتي قطاع الكهرباء في طليعة القطاعات المتضررة من حرب مليشيا الحوثي، بالذات المناطق التي كانت تحصل على التيار من الشبكة الموحدة قبل اندلاع الحرب بشكل أوسع عام 2015، فقد شهدت إما تدمير بنيتها التحتية أو تعذر حصولها على الكهرباء، نظراً لانخفاض قدرات التوليد على الشبكة الرئيسية.

وبات قطاع الكهرباء حالياً، مع زيادة الاختلالات فيه، يُشكل بؤرة استنزاف للخزينة العامة للدولة، نتيجة تضخم فاتورة توفير وشراء الوقود لمحطات التوليد، الأمر الذي يتطلب رفع وتيرة الإصلاحات الخاصة في إجراءات الشراء وتعزيز آليات الرقابة على الإنفاق.

تنفق الحكومة اليمنية، نحو 1.2 مليار دولار سنوياً لشراء الوقود الخاص بتشغيل محطات توليد الكهرباء، ما يجعل فاتورة الإنفاق المتضخمة بمثابة هدر وتسرب مالي، بدون فوائد واقعية بالإمكان تحقيقها في ظل معاناة البلاد، وحاجتها الماسة للموارد المالية لتغطية تكاليف الإنفاق على تحقيق الاستقرار النقدي وفاتورة الغذاء وبقية الاحتياجات الضرورية.

وقد بلغ نصيب الفرد من استهلاك الكهرباء في البلاد 217 كيلووات في عام 2014م، أي أقل من سدس المتوسط في الإقليم، وبلغ العرض المقدر للطاقة خلال عام 2015م 519,1 ميجاوات.

كما كان هناك اختلال كبير بين العرض المقدر بحوالى 519,1 ميجاوات، وبين الطلب حيث كانت قدرة العرض تقل عن ذروة الطلب بنسبة 20%.

وتفاقمت الاختلالات في قطاع الكهرباء، مع توسع الحرب الحوثية، وطول أمدها، الأمر الذي كان له تداعيات وخيمة على قطاع المياه والصرف الصحي، وبالتالي الصحة العامة، كما انخفضت نسبة السكان اليمنيين الذين يحصلون على الكهرباء العامة من 66% في عام 2014 إلى أقل من 10% بحلول نهاية عام 2017م، وفق إحصائيات صادرة عن البنك الدولي.

ويمكن إيجاز أبرز العوامل والأسباب، التي أدت إلى ضعف الشبكة العامة للكهرباء في البلاد، بنقص الوقود في المدن التي تعمل فيها الشبكة العامة، حيث أثرت أزمة الديزل أيضاً بشكل كبير على أنشطة قطاع المياه والصرف الصحي.

ونظراً لعدم توفر موازنة مركزية منذ 2014م، أدت الصعوبات المالية إلى الحد من قدرة المؤسسة على إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة بالإضافة إلى دفع رواتب الموظفين، فضلا عن سوء تحصيل فواتير الكهرباء والربط غير القانوني إلى مزيد من الضغوط على المؤسسة العامة، إضافة إلى عدم التشغيل السليم والصيانة.

وفي ظل عدم توفر مستوى يعتمد عليه من إمدادات الكهرباء العمومية أو وقود الديزل، أصبحت الطاقة الشمسية آلية شائعة للتكيف في كل من القطاع الخاص والعام.

وتشير تقديرات تقييم السوق أجري في 2016 بتكليف من البنك الدولي، إلى أن معدل انتشار الطاقة الشمسية في السوق واستخدامها لأغراض الإضاءة أو تشغيل الأجهزة بلغ 75 في المائة من المنازل في بعض المناطق الحضرية، بما فيها صنعاء حيث الحاجة لمكيفات الهواء تعتبر منخفضة بصورة عامة.

وبنهاية 2019، استخدم ما يعادل 75% من الأسر في جميع أنحاء البلاد أنظمة الطاقة الشمسية كمصدر أساسي للكهرباء، مع وجود حصص أكبر في المناطق الريفية وفي الشمال، وفق إحصائيات رسمية صادرة عن البنك الدولي.

ويشير مسح آخر، أجراه برنامج الأغذية العالمي مؤخراً في نوفمبر 2017م إلى أنه في 14 من أصل 22 محافظة، كانت الطاقة الشمسية هي المصدر الرئيس للطاقة المنزلية، وأن أنظمة الطاقة الشمسية أصبحت تُعتمد بشكل متزايد في قطاعي الصحة والمياه والصرف الصحي، وغالباً ما تدعمها منظمات غير حكومية أو المنظمات الدولية الأخرى.

وتُقدر الأضرار المادية التي لحقت بالهياكل الأساسية لشبكة الكهرباء الحضرية في المدن، التي تم تقييمها بمبلغ يتراوح بين 422–516 مليون دولار أمريكي، طبقا لإحصائيات سابقة للبنك الدولي.

خسائر قطاع النقل

أمّا في قطاع النقل، فقد أدى تضرر شبكة الطرق والجسور، والموانئ والمطارات، إلى تفتيت أوصال البلاد، وتفاقم صعوبات التنقل للمواطنين، وحركة نقل البضائع والسلع، والحركة التجارية بين المحافظات.

وقالت دراسة حديثة، إن الحرب أثّرت في البنية التحتية لقطاع النقل بشكل كبير، وأدت إلى تضرر الطرقات والجسور والموانئ والمطارات، وتعرض ما نسبته 29% من إجمالي شبكة الطرق داخل المدن لدرجة عالية من الضرر، و511.1 كيلومتر لدمار كلي، مشيرة إلى تقديرات عن خسائر بمليارات الدولارات في هذا القطاع الحيوي.

وبحسب الدراسة التي أعدها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، تعرضت 50% أو أكثر من البنية التحتية لشبكة الطرق في مدن الحزم وتعز وصعدة ومأرب للضرر.

ويشير تقرير تقييم الأضرار الذي أجراه صندوق صيانة الطرقات، إلى أن ما لا يقل عن 1241 كلم من الطرق تضررت بشكل كبير في محافظات صعدة وعمران وصنعاء وتعز وأبین ولحج، وتوقفت العديد من مشروعات الطرق الريفية وعقود صيانة الطرق والجسور، ما عطّل الكثير من فرص العمل وكسب الدخل.

وعمل حصار مليشيا الحوثي، على مدينة تعز، وإغلاق كافة الطرق والمنافذ الرئيسية، على خنق المدينة، والتسبب بمأساة إنسانية، وخسائر اقتصادية بالغة لحقت بالمؤسسات العامة والخاصة وزيادة الأعباء على المواطنين.

ويقدر إجمالي الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطرق داخل المدن، بما في ذلك إنارة الشوارع في 16 مدينة ما بين 240 و293 مليون دولار، وتراوحت الأضرار التي لحقت بقطاع النقل من الطرق داخل المدن أو الطرق الطويلة التي تربط المدن ببعضها، والجسور والموانئ والمطارات بـ780 و953 مليون دولار أميركي.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكاليف الأضرار في قطاع النقل البري والجسور تقدر بنحو 500 مليون دولار أميركي.

قطاع المياه

في الجانب الآخر تبرز قضية المياه، وهي أزمة قديمة جديدة، تزداد حدتها ومخاطرها، مع غياب الحلول من الجهات المعنية، وتداخل المشكلات والمعضلات مع القطاعات الأخرى، وهي من التحديات التنموية، حيث فاقمت الحرب أزمة المياه، من وآثارها السلبية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، بشكل عام.

وتُعتبر اليمن، من أكثرِ البلدان التي تعاني من نُدرة المياهِ على المستوى العالمي، حيث يواجه معظم السكان خطراً وجودياً، يتمثّل في نُدرة المياه، وتبرز أهمّ مظاهرِ أزمة المياه، في نضوب المياه الجوفية، والتغييرات المناخية، التي تؤثر على معدلِ كمية احتياطِي المياه في اليمن، إضافة إلى الاستهلاك العشوائي والمتزايد لمزارع القات وغيرِها، وحفرِ الآبارِ بشكلٍ غيرِ مدروس.

وخلال الفترة الأخيرة، تشير العديد من التقاريرِ الدولية، إلى تراجع حصَّة الفرد من المياهِ، سنوياً مقارنة بالأعوام الماضية.

ويعد القطاع الزراعي في اليمن المستخدِم الرئيسي لموارد المياه الجوفية، حيث يستهلك حوالي 90% من إجمالي الاستهلاك، ولا يساهم سوى بأقل من 20% في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، لأن ما يزيد عن 50% من المياه المستخرجة من جوف الأرض تذهب لريِ القات.

أما نسبةُ الاكتفاءِ الذاتي من الغذاءِ فهي أقلُّ من 15%، ما يعني أنّ اليمن ليس بمقدورِه إطعام سكَانه إلا بالاعتماد على الخارج.

ويبلغ الطلب السنوي على المياهِ للاستخدام المنزلي والصناعي والاستهلاك الزراعي حالياً ثلاثة ملايين وتسعَمَائة ألف مترٍ مُكَعَّب في السنة، وهو ما يتجاوز بكثير الموارد المتجددة من كل من المياه السطحية والمياه الجوفيةِ البالغة مليونين وخمسِمائة ألف متر مكعب في السنة.

وطبقاً لدراسة حكومية صادرة عن قطاع الدراسات والتوقعات في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، بالتعاون مع اليونيسف، فإن نصيب الفرد من المياه، سنوياً تراجع إلى 85 متراً مكعباً، وهو أدنى من خطِ الفقرِ المائي المطلق، بـ200 متر مكعب، وأدنى بكثير من المتوسط العالمي، لنصيب الفرد من المياه، والذي يصل إلى سبعة آلاف وخمسِمائة متر مكعب.

قطاع المياه والصرف الصحي في اليمن يعاني من تراجع مستوى العمل في المرافق الخدمية وانخفاض كبير في تقديم الخدمات، وإلى جانب الأضرار المادية التي لحقت بالمنشآت الرئيسية والمكاتب الإدارية والمختبرات والآلات والمعدات، أدّت أزمة الكهرباء وخصوصاً نقص الوقود إلى تقويض قدرة المنشآت على تشغيل أصول المياه والصرف الصحي بشكل فعّال.

تؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 15.4 مليون يمني بحاجة إلى الدعم للوصول إلى احتياجاتهم الأساسية من المياه والصرف الصحي، من بينهم 8.7 مليون شخص في حاجة ماسّة.

ولا يزال الوصول إلى المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي يمثّل أولوية قصوى في اليمن، حيث يوجد أدنى نصيب للفرد من المياه على مستوى العالم، إلى جانب ندرة المياه والأمراض المرتبطة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الشخصية التي وصلت إلى مستويات حرجة.

وتعد التكلفة العائق الرئيسي أمام الوصول إلى المياه، حيث يعتمد أكثر من 17% من الأسر على المياه المشتراة أو المنقولة بالشاحنات والتي زادت تكلفتها بنسبة 25%.

وتعدّ الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية من الصراع وآثار تغيّر المناخ والمخاطر الطبيعية وتدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية واضطّراب الواردات خاصةً الوقود من العوامل الرئيسية، إذ يضطّر اليمنيون إلى اللجوء لممارسات التأقلم السلبية التي تزيد بشكل كبير من مخاطر سوء التغذية وتزيد من عبء الأمراض المرتبطة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية وتفشّي الأمراض مثل الكوليرا وحمّى الضنك.

ويقّدر البنك الدولي تكاليف إصلاح وإعادة إعمار قطاع المياه والصرف الصحي ما بين 763 و932 مليون دولار.

وتأتي صنعاء في المقدّمة من حيث أعلى نسبة من احتياجات إعادة الإعمار تقدّر بحوالي 196 مليون دولار على مدى خمس سنوات، تليها عدن (159 مليون دولار) وتعز (460 مليون دولار).

خسائر القطاع الخاص

ساهمت الحرب الحوثية في تقويض القطاع الخاص وإفلاس العديد من الشركات التجارية، حيث كشف مصدر مسؤول في وزارة المالية عن أن أكثر مـن 80% مـن منشآت الأعمال الصغيرة تعرضت للإفلاس، وكذلك 15% مـن الشـركات الكبيـرة.

وطبقا للمصدر، فإن هناك أكثـر من 500 قضيـة مـن قضايـا الإفلاس المنظـورة فـي المحاكم التجاريـة فـي قطـاع الاتصالات والنقـل والشـركات النفطية وغيرها من الشـركات التجارية نتيجة التغيرات الاقتصادية.

وعقب اجتياح مليشيا الحوثي للعاصمة صنعاء، وتسببها بتدهور النشاط التجاري لوحظ أن 41% من المنشآت قامت بتسريح حوالي 55% من موظفيها في المتوسط، وأيضا قامت 7% من المنشآت بتقليص رواتب موظفيها بحوالي 49% وسرحت حوالي 64% من موظفيها. وقامت 3% من المنشآت بتقليص رواتب موظفيها بحوالي 50%، وفقا لدراسة ميدانية.

وقدرت دراسة حديثة صادرة عن الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية في الجمهورية اليمنية، حجم خسائر قطاع الصناعة بشقيه العام والخاص في بلادنا بنحو 35 مليار دولار للفترة 2015-2020، منها 4.5 مليار دولار حجم خسائر القطاع الصناعي التابع للقطاع الخاص.

وبينت الدراسة أن حجم الانكماش التراكمي في قيمة الناتج المحلي الإجمالي الجاري لقطاع الصناعة عام 2020 يقدر بنسبة 52% عـن حجمه في عـام 2012.

فيما قُـدر فقـدان حوالي 73% مـن ناتجـه في المتوسط خلال الفـتـرة جـراء ظـروف الحـرب ومــا نتـج عنها مــن تحديات وصعوبات، إلى جانـب التأثيـرات المختلفة لجائحـة كورونـا، مـع العلـم أن معـدل التشـغيل في جانـب القطـاع العـام الصناعـي قـــد بلـغ في المتوسط حوالي 12% فقـــط مـن قـــدرة القطـاع الإنتاجية، فيمـــا بلـغ معـدل التشـغيل في القطاع الخاص حوالي 64% مـــن قدرتـه الإنتاجية.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية