شهادة انتصار الحمادي.. خمس سنوات من الموت البطيء في سجون الحوثي

"انتصار واحدة طموحة ما كانت تشتي إلا أنها توصل لحلمها بأن تكون موديل وتوصل للعالمية، بس هذا كله انتهى في يوم وليلة ولقيت نفسي محبوسة".

بهذه الكلمات المخنوقة بالعبرات بدأت انتصار الحمادي سرد فصول قصتها المأساوية عبر شاشة قناة الجمهورية. كان ذنبها الوحيد أنها فتاة حالمة، دون أن تدرك أن الحلم في زمن الإرهاب الحوثي جريمة وطريق المستقبل يصبح طريقًا بلا عودة، أما المسار الوحيد المسموح سلوكه فهو ما ينتهي بالناس إلى الجهل المطبق والموت.

بدأت مأساة انتصار في 20 فبراير 2021، عندما كانت في طريقها مع صديقتها يسرى الناشري بعد انتهاء دراستهما في المعهد. في لحظة خاطفة، اعترضت طريقهما سيارة مجهولة، واقتادتهما إلى مكان غير معلوم، تبين لاحقًا أنه فيلا تُستخدم سجنًا سريًا.

هناك، بدأت رحلة التعذيب النفسي والجسدي، حيث تعرضت انتصار ويسرى للتحرش في اليوم الأول، ثم واجهتا محاولات تجنيد قسري في شبكة دعارة ومخدرات للإيقاع بشخصيات عامة ورجال أعمال، تحت مزاعم "خدمة الوطن".

رفضت انتصار ويسرى هذه العروض، الأمر الذي أثار نقمة عناصر المليشيا فشرعوا بإذاقتهن أصناف المعاناة والتعذيب.

بعد أيام من الرفض، اقتحم عناصر من الأمن والمخابرات الحوثية المكان في ساعات الفجر الأولى. تعرضت انتصار للضرب المبرح بالسلاح على يد أحد العناصر عندما حاولت فتح هاتفها، تاركًا أثرًا لا يزال شاهدًا على ما حدث. بعد 12 يومًا من الاحتجاز في هذا المكان المجهول، وبعد انتشار خبر اختطافها، تم نقلها إلى السجن المركزي.

في السجن المركزي، بدأت فصول جديدة من التلفيق والتهم الباطلة. واجهت انتصار تهمًا أخلاقية مثل الدعارة، الفجور، الزنا، وتعاطي الحشيش. خلال المحاكمة الصورية، لم يتمكن محاميها من الحصول على نسخة من ملف القضية، ما جعل الدفاع عنها شبه مستحيل.

تعرضت الحمادي، كما روت، للإهانة والضرب أمام النيابة، وتم حلق شعرها وتشويهها من قِبل مديرة السجن، كما تعرضت للضرب المبرح من قبل إحدى "الزينبيات" دون سبب واضح، مصحوبًا بعبارات عنصرية مهينة بسبب أصولها الإثيوبية والتعزية.

لم تقتصر المعاناة على انتصار وحدها؛ فقد كشفت عن وجود قاصرات في السجن، بعضهن لا تتجاوز أعمارهن 12 عامًا، تعرضن للاغتصاب وتم إدانتهن بتهم الزنا والفجور. كما تحدثت عن "الدار المخفي"، وهو مكان سري يتم فيه احتجاز الفتيات وتعذيبهن وتصليبهن لساعات طويلة، باستخدام العنف والكهرباء لإجبارهن على الاعتراف بتهم ملفقة.

وذكرت حالة نزيلة جاءت من هذا المكان مغتصبة ومضروبة، وتوفيت لاحقًا بسبب جلطة، بعد أن تبرأ أهلها منها بسبب التهم الملفقة.

تصف انتصار الظروف داخل السجن بأنها مزرية؛ فالطعام غير صالح للاستهلاك، والتعذيب مستمر لمن يرفض الانصياع. كما كشفت عن محاولات تجنيد النساء السجينات ليصبحن "زينبيات"، وهن نساء يتم تدريبهن على نشر أفكار المليشيا وتجنيد أخريات، مع تغيير أفكارهن. اضطرت انتصار إلى التظاهر بالاستسلام وقراءة الملازم لوقف التعنيف، وهو ما أدى لاحقًا إلى الإفراج عنها بعد خمس سنوات.

خلال فترة سجنها، حاولت الانتحار ثلاث مرات نتيجة اليأس والقهر. كما عانت من مشاكل صحية، منها ورم في الرقبة وكيس دهني في الإبط، دون تلقي علاج كافٍ. وعند الإفراج عنها، أُجبرت على توقيع تعهدات بعدم الظهور في الإعلام أو الإساءة للمليشيا، وكتابة رسالة شكر على "الدروس" التي تعلمتها في السجن.

اليوم، وبعد خروجها، لا تزال تعيش تحت وطأة الخوف وآثار نفسية عميقة. تصف تلك السنوات بأنها "الموت البطيء"، إذ سُلبت منها براءتها وأحلامها، وتركتها في مواجهة واقع ثقيل يؤرق حياتها.

أخبار من القسم

تطورات الساعة

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية