في اليوم العالمي للصحافة.. الحوثي والظلام المستطير!
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تتجه أنظار العالم إلى قضايا التعبير والشفافية والمحاسبة، أما نحن الصحفيون اليمنيون، فننظر هذا العام إلى سماء ملبدة بالغبار، حيث تسطر الجراح بحروف من نار ورماد، وتُختصر قصة الألم في كلمتين: اختطاف واختفاء قسري.
ففي بلد مزقته الحرب بفضل تمرد مليشيا الحوثي الطائفية الموالية لإيران وانقلابها على مؤسسات الدولة، لم يعد المشهد الصحفي مجرد عمل روتيني للحدث، بل تحول إلى معركة وجود لا تهدأ.. هذه الميليشيا التي أباحت انتهاك أقدس حقوق الإنسان في المعرفة، لم تكتفِ بتقطيع أوصال البلاد وابتلاع الدولة ونهب مقدرات الشعب، بل جعلت من الصحافة "جريمة" لا تغتفر، تستوجب الاختطاف، والتعذيب، والمحاكمة الصورية.
الصحفي اليمني اليوم يخوض معركة وجود مزدوجة: أولاهما ضد آلة التضليل الإعلامي الحوثية التي تسعى لتجميل جرائمها وطمس الحقيقة، والثانية ضد قوانين الظل التي تسجن كل من يرفع قلمه ليكتب كلمة "حق".. تشير التقارير الحقوقية الموثقة إلى أن العشرات من الزملاء والزميلات يقبعون في زنازين الانقلاب، بينهم من ينتظر محاكمة مفتعلة لا ترتقي لمعايير العدالة، ومنهم من اختفى قسراً إلى غير عنوان، فتحولوا إلى أشباح تائهة بين الجدران.. كما وثقت المنظمات الدولية نمطاً ممنهجاً من التعذيب، إذ روى أحد الناجين أن مسؤولاً في سجون الميليشيا قال له حرفياً: "نتقرب إلى الله بتعذيب الصحفيين"، في إشارة إلى ثقافة إجرامية تجعل من التعذيب بالصعق الكهربائي والتعليق من المعصمين طقساً يومياً. وبين هؤلاء المختطفين، من يرقد تحت التراب شهيداً، بعد أن وثق بعينه وكلمته حرق الحقول أو قصف الأحياء السكنية.
أما أولئك الذين نجوا من تلك الزنازين المظلمة، فيخرجون بأجساد منهكة وقلوب تحمل ندوب التعذيب الصامت، ليرووا للعالم كيف أن التهمة الوحيدة التي حملوها كانت دوماً: "صحفي حر".. لكن الميليشيا لا تكتفي بمعاقبتهم داخل السجون، بل تمد سيطرتها إلى ما بعد الإفراج، فتضعهم تحت رقابة لصيقة، وتحول حياتهم كلها إلى سجن مفتوح تحت أشعة الشمس.
في هذا اليوم، لا نشهد للعالم بسردية الضحية المنكسرة، بل نصرخ عالياً: الكلمة سلاح، والصحافة مسؤولية أخلاقية وتاريخية.. فالحرية الحقيقية للصحافة لا تعني فقط انتقاد الحاكم أو معارضة السياسات، بل تعني بكل وضوح مقاومة أي قوة، مهما كانت، تسعى لفرض وصاية طائفية على العقول والأجساد، وتكميم الأفواه تحت أي ذريعة.
نحن صحفيو اليمن، رغم الجوع والخوف والاغتراب والتشرد ، لن نبيع ضمائرنا ولن نرهن أقلامنا.. سنواصل إضاءة شمعة واحدة في قلب العتمة الحوثية، ليس لأننا أبطال خارقون، بل لأن رسالتنا هي آخر جدار فاصل بين مجتمع ينهض على أنقاض الحرب، وآخر يغرق رويداً رويداً في مستنقع الظلام والتبعية.
تحية إكبار لكل صحفي يمني ويمنية يصر على أن تصل كلمته رغم طائرات المسيّر والرصاص. وتحية لكل صوت دولي شريف لا يزال يذكر الحوثيين ومن خلفهم أن الصحافة ليست حرباً طائفية، بل نور لا يستطيع طاغية إطفاءه، وقلم لا تنكسر حدته مهما طال الغياب.






