يقظة تشبه الفجر حين يسبق الضوء نفسه.. تحية لمنظومة الساحل الغربي
في لحظات الفقد الكبرى، لا يختبر الناس مشاعرهم فقط، بل يختبرون أيضًا قدرة الدولة ومؤسساتها على الوقوف في وجه الصدمة.
كان اغتيال الشهيد العميد يحيى وحيش حدثًا موجعًا بكل المقاييس.. لم يكن الأمر متعلقًا برجل يشغل موقعًا عسكريًا فحسب، بل بشخصية ارتبط اسمها بواحدة من أهم جبهات المواجهة في الساحل الغربي.. ولهذا بدا السؤال الذي تردد في أذهان كثيرين بعد الجريمة أكبر من تفاصيل الحادثة نفسها: ماذا بعد؟
جاء الجواب أسرع مما توقعه كثيرون.
فخلال أقل من يوم، لم تعد القضية جريمة غامضة تبحث عن خيوطها الأولى، بل تحولت إلى ملف تتكشف تفاصيله تباعًا.. تحركت الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية ضمن مسار واحد، وكأن كل جهة كانت تعرف موقعها ودورها منذ اللحظة الأولى.. لم يكن المشهد استعراضًا للقوة، بل ممارسة هادئة لمفهوم المؤسسة عندما تكون جاهزة للعمل تحت الضغط.
اللافت في العملية لم يكن القبض على المتهمين فحسب، وإنما الطريقة التي جرى بها ذلك.. فالأحداث الكبرى كثيرًا ما تكشف مواطن الخلل داخل المؤسسات، أما هذه الحادثة فقد كشفت شيئًا مختلفًا ، كشفت أن هناك بنية عمل قادرة على تحويل المعلومات إلى نتائج، والوقت إلى عنصر تفوق بدلًا من أن يكون عامل استنزاف.
ومن الإنصاف القول إن النجاح لم يكن نتاج جهة واحدة.. فقد ظهر الساحل الغربي خلال هذه الساعات كجسد واحد تتحرك أعضاؤه في اتجاه واحد: الشرطة، وخفر السواحل، والأجهزة الاستخباراتية، والوحدات العسكرية، المواطن، جميعها اشتغلت ضمن هدف محدد دون صخب أو تنافس على الأدوار.. وهذه الصورة، بحد ذاتها، تمثل أحد أهم المكاسب التي يمكن أن تحققها أي منطقة تواجه تحديات أمنية معقدة.
لقد حاول منفذو الجريمة استثمار عنصر المباغتة، وظنوا أن البحر سيكون منفذًا للنجاة، غير أن ما حدث أثبت أن المسافة بين ارتكاب الجريمة والسقوط في قبضة العدالة لم تعد كما كانت في السابق.. فحين تتكامل المعلومات مع القرار، وتتصل المعلومة الميدانية بالفعل التنفيذي، تضيق المساحات التي يمكن أن يختبئ فيها المجرمون.
ولعل الرسالة الأهم التي خرجت بها هذه القضية لا تتعلق بالجناة وحدهم، بل بالمجتمع كله: الاستقرار لا تصنعه القوة المجردة، وإنما تصنعه مؤسسات تعرف كيف تعمل، وكيف تتعاون، وكيف تتصرف عندما تواجه اختبارًا حقيقيًا.
لهذا فإن ما جرى خلال الساعات التي أعقبت اغتيال العميد البطل يحيى وحيش، رحمة الله عليه، لا يمكن قراءته بوصفه نجاحًا أمنيًا فقط، بل بوصفه دليلًا على نضج تجربة تراكمت عبر سنوات من العمل والتحديات.. تجربة تقول إن الأمن ليس شعارات ترفع في البيانات والمنصات الإعلامية، وإنما قدرة عملية على حماية الناس، وملاحقة العابثين والإرهابيين وقطاع الطرق، وإثبات أن الجريمة قد تختار زمانها ومكانها، لكنها لا تختار مصيرها.
وتبقى كلمة شكر مستحقة لكل من شارك في هذا العمل الوطني المسؤول، وفي المقدمة رجال الوحدة 400 الذين قدموا نموذجًا مشرفًا في اليقظة والانضباط والاحتراف، مؤكدين أن خلف كل نجاح رجالًا يعملون بصمت ويصنعون الفارق.







