تحرير الأسرى.. الثابت الإنساني والوطني في التزامات المقاومة الوطنية
في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا في الحرب، ظل ملف الأسرى يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الأطراف بالقيم الإنسانية بعيدًا عن أي حسابات ضيقة. وفي هذا السياق، كانت مقاربة المقاومة الوطنية ثابتة في تعاطيها مع هذا الملف، من خلال تبنيها خطابًا يقوم على أولوية استعادة جميع المحتجزين وإنهاء معاناة عائلاتهم.
هذا التوجه لم يكن مجرد موقف إعلامي؛ فقد انعكس عمليًا في مختلف جولات التفاوض التي شارك فيها ممثلون عن المقاومة الوطنية، حيث ظل نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي- قائد المقاومة الوطنية، الفريق أول ركن طارق صالح، يدفع باتجاه صفقات شاملة تقوم على مبدأ "الكل مقابل الكل"، باعتباره المسار الأكثر عدالة وإنسانية لمعالجة القضية.
وخلال صفقة التبادل الكبرى، التي أُنجزت في أكتوبر 2020، وتكللت بالإفراج عن 1065 محتجزًا، برز هذا الموقف بوضوح، حين دعمت القوات المشتركة في الساحل الغربي إنجاز اتفاق واسع للإفراج عن أكثر من ألف أسير ومختطف، رافضة تغليب الحسابات الخاصة أو الانتقائية في التعامل مع الملف.
الأكثر دلالة، أن تلك الصفقة لم تشمل الإفراج عن شقيق ونجل الفريق طارق صالح، ومع ذلك تمسكت قيادة المقاومة الوطنية بإنجاز الاتفاق، في رسالة سياسية وإنسانية مفادها أن قضية الأسرى لا ينبغي أن تُدار بمنطق القرابة أو المصالح الضيقة، بل باعتبار جميع المحتجزين ضمن قضية وطنية واحدة.
ويكشف هذا النهج عن إدراك لأهمية ملف الأسرى باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالمجتمع اليمني، نظرًا لما يتركه من آثار نفسية وإنسانية على آلاف العائلات، وهو ما يجعل أي تقدم فيه يتجاوز البُعد التفاوضي إلى كونه استعادة لجزء من التماسك الاجتماعي الذي مزقته حرب الانقلاب الحوثي.
وفي المقابل، تُظهر ممارسات مليشيا الحوثي، وفق ما تؤكده تقارير حقوقية وشهادات ناجين، تعاطيًا مغايرًا مع الملف، من خلال استخدام المحتجزين كورقة ضغط سياسية، فضلًا عن استمرار الانتهاكات داخل السجون وعرقلة الوصول إلى صفقات شاملة.
ومع الجولة الأخيرة من المفاوضات، التي رعتها الأمم المتحدة في العاصمة الأردنية عمّان، عادت قضية الأسرى إلى الواجهة مجددًا، بعد التوصل إلى اتفاق يقضي بالإفراج عن 528 أسيرًا، بينهم 95 من أسرى الساحل الغربي، وهي خطوة تعكس استمرار الضغوط الحكومية لإنجاز مزيد من عمليات التبادل رغم التعقيدات القائمة.
ومع أهمية الاتفاق، إلا أن بقاء المئات في سجون الحوثيين يؤكد أن هذا الملف لا يزال مفتوحًا، وأن الوصول إلى حل شامل سيظل مرهونًا بوجود إرادة حقيقية تقدم الاعتبارات الإنسانية وليس الحسابات الضيقة التي تنتهجها مليشيا الحوثي باستمرار لعرقلة الوصول إلى هذا الهدف ومواصلة المتاجرة بملف الأسرى والمختطفين.








