في عيد الوحدة.. اليمنيون أمام استحقاق توحيد الصف لاستعادة الدولة
يأتي العيد السادس والثلاثين لتحقيق الوحدة اليمنية في ظل مشهد سياسي وعسكري مختلف عما عرفه اليمنيون خلال العقود الماضية؛ ما يجعل هذه المناسبة الوطنية اختبارًا جديدًا لقدرة القوى اليمنية على توحيد صفوفها في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية واستعادة مؤسسات الدولة.
وفي وقت يرزح اليمنيون تحت وطأة الحرب الحوثية للعام الثاني عشر، تفرض التحديات الراهنة إعادة استحضار قيم الوحدة بمعناها الأوسع، بما يتجاوز حدود الجغرافيا وشكل النظام السياسي، نحو وحدة الهدف والمصير، باعتبارها الحاجة الأكثر إلحاحًا لاستعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من التشظي والتفكك.
كشفت السنوات الماضية بوضوح- وفق محللين سياسيين- حجم الكلفة التي دفعها اليمنيون نتيجة الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي، ما منح المليشيا الإرهابية فرصة ذهبية لترسيخ نفوذها في المناطق المنكوبة بسيطرتها، واستثمار التباينات بين القوى المختلفة لإطالة أمد الحرب.
ووفق المحللين، فإن الحديث عن الوحدة اليوم لم يعُد متصلًا فقط بالدفاع عن صيغة سياسية بعينها، بل بات يرتبط بالحفاظ على فكرة الدولة نفسها، في مواجهة مشروع ذي طابع طائفي وعسكري عابر لمفهوم الدولة الوطنية.
خلال العقود الماضية، ارتبط النقاش حول منجز الوحدة اليمنية بقضايا الحكم والشراكة والثروة والتمثيل السياسي، غير أن الحرب التي فجرتها مليشيا الحوثي أعادت صياغة الأولويات لدى قطاعات واسعة من اليمنيين، لتصبح مسألة توحيد الجبهة الداخلية أولوية تتقدم على الخلافات الأخرى.
ويؤكد متابعون للشأن اليمني أن أي اختلال في العلاقة بين القوى المناهضة للحوثيين ينعكس مباشرة على مسار المعركة ميدانيًا وسياسيًا وإعلاميا، مشيرين إلى أن المليشيا استفادت طويلًا من حالة التشظي وغياب القرار الموحد.
وفي هذا السياق، شكل مجلس القيادة الرئاسي الإطار السياسي الوطني لمحاولة إدارة التنوع داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وجمع القوى المختلفة تحت هدف رئيسي يتمثل في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، الأمر الذي ساهم بشكل فعال في إذابة الكثير من التباينات التي سادت السنوات الماضية.
على الأرض، انعكست الانقسامات السياسية خلال الأعوام الماضية بصورة مباشرة على الوضع الاقتصادي والخدمي؛ إذ تعمقت الأزمات النقدية والمعيشية، وتضررت مؤسسات الدولة، في وقت وظفت مليشيا الحوثي الإرهابية حالة الانقسام التي طبعت المرحلة لمواصلة جثومها على مناطق سيطرتها والفتك باليمنيين وتجريف الهوية الثقافية والوطنية.
ويرى اقتصاديون أن من شأن أي انقسام أن يهدد أي فرصة لتعافي الدولة أو استعادة الثقة بالمؤسسات، مؤكدين- في الوقت ذاته- أن أي مشروع وطني لمواجهة الحوثيين يحتاج إلى شراكة سياسية وإدارية واقتصادية أكثر تماسكًا.
ولا يقتصر تأثير المشهد اليمني على الداخل فقط، إنما يمتد إلى الإقليم والممرات البحرية الدولية، في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
في حين يؤكد مراقبون أن استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من شمال البلاد، بما في ذلك محافظة الحديدة، يمنح إيران مساحة إضافية للتأثير في الأمن الإقليمي، ويضاعف المخاطر المرتبطة بالملاحة الدولية، خصوصًا مع الهجمات التي شهدتها خطوط الشحن خلال الفترة الماضية.
وبحسب المراقبين، فإن أي مشروع لاستعادة الاستقرار في اليمن يرتبط بشكل مباشر بوجود جبهة وطنية متماسكة قادرة على إدارة المعركة سياسيًا وعسكريًا، ومنع المليشيا الإرهابية من استثمار الخلافات البينية.
بعيدًا عن الحسابات السياسية، يرى مثقفون وناشطون أن المعركة الحالية تحمل- أيضًا- بُعدًا يتعلق بالحفاظ على الهوية الوطنية اليمنية، في مواجهة محاولات الحوثيين إعادة تشكيل المجتمع على أسس طائفية وفكرية دخيلة على البيئة اليمنية.
ويقول كتاب وباحثون؛ إن فكرة الوحدة، لا تزال تمثل إطارًا جامعًا لمواجهة مشاريع التشظي والعزلة والارتهان الخارجي.
ومع إحياء عيد الثاني والعشرين من مايو هذا العام، تبدو المناسبة بالنسبة لكثير من اليمنيين أقرب إلى دعوة لإعادة بناء التوافق الوطني، وتحويل وحدة الصف من شعار سياسي إلى مسار عملي يعيد توجيه الجهود نحو استعادة الدولة وإنهاء الحرب بطريقة تكون فيها القوى الوطنية قادرة على إنتاج شراكة تحافظ على تماسك الدولة.







