الحديدة.. المليشيا تحول الألغام إلى وسيلة جديدة لابتزاز المزارعين
في السهل التهامي الممتد جنوب محافظة الحديدة، تحولت الأراضي الزراعية الخصبة التي كانت تمثل مصدر الرزق الوحيد لآلاف الأسر إلى حقول ألغام تهدد الحياة وتبدد سبل العيش. وبينما يحاول المزارعون استعادة أراضيهم لإحيائها من جديد، يجدون أنفسهم أمام واقع قاسٍ فرضته مليشيا الحوثي، التي حولت المزارع إلى مناطق خطرة يصعب الوصول إليها أو استثمارها.
لم يتوقف الأمر عند زراعة الألغام، إذ يواجه المزارعون معادلة أشد قسوة؛ فإما ترك أراضيهم رهينة للمتفجرات التي تسكن باطنها، أو دفع مبالغ مالية للمليشيا مقابل إزالة ما زرعته بأيديها. وهكذا يدفع الأهالي ثمن الإرهاب الحوثي مرتين؛ الأولى حين فخخت مزارعهم قسرًا، والثانية عندما يجبرون على دفع الأموال لاستعادة حقهم في أرضهم.
على مدى سنوات الحرب، تعمدت المليشيا الحوثية تحويل المزارع والطرقات والمناطق الآهلة بالسكان جنوب محافظة الحديدة، إلى حقول ألغام عشوائية، لتغدو الشبكات المتفجرة هذه بمثابة قاتل صامت وضِع تحت التراب في المزارع الحيوية والقرى السكنية كما هو الحال في منطقة "وادي الجاح"، بهدف وحيد، وهو إيقاع أكبر قدر من الأذى بالمدنيين وتعطيل حياتهم اليومية.
هذا التلغيم الممنهج لم يترك عائلة في غرب مديرية بيت الفقيه، إلا وأورثها جرحًا غائرًا؛ ولعل الفاجعة التي هزت المنطقة مؤخرًا تلخص هذا الرعب، إذ تحولت رحلة عائلية بسيطة بالقرب من سوق الجاح إلى مأساة مروعة، إثر انفجار لغم أرضي بدراجة نارية كان على متنها ثلاثة أفراد.
الجريمة أسفرت عن إصابة رب الأسرة، محمد داود المجهصي، بجروح خطيرة، في حين دفع أفراد عائلته الثمن الأقسى ببتر ساقَي زوجته وساق طفلهما الصغير، لينضموا إلى قوائم طويلة من ضحايا الإعاقات الدائمة التي تسببت بها ألغام مليشيا الحوثي الإرهابية.
إلى جانب الفاتورة البشرية الباهظة، تسببت الألغام بشلل تام لعصب الحياة الاقتصادية في المنطقة؛ فالحديدة، التي اشتهرت تاريخيًا بخصوبة أرضها وإنتاجها الغزير من المنتجات الزراعية المتنوعة مثل الخضروات والفواكه وأعلاف الماشية، تحولت مساحات واسعة من بساتينها إلى مناطق مهجورة قافرة.
مئات المزارعين حُرموا من الوصول إلى أراضيهم وجني محاصيلهم، ما أدى إلى تلف ثروتهم الزراعية وتراكم ديونهم، وحتى المواشي، التي تمثل مصدر الدخل البديل للأسر التهامية لم تسلم من هذه الفخاخ، حيث نفقت قطعان عديدة جراء انفجار الألغام في المراعي المفتوحة.
وفي سلوك يتجاوز كل الحدود الإنسانية، وبدلًا من أن تتحمل المليشيا مسؤولية الكارثة التي صنعتها أيديها، عمدت إلى تحويل أوجاع السكان إلى تجارة مربحة؛ فقد وضعت أبناء منطقة الجاح أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما بقاء الموت كامنًا في أرضهم، أو دفع مبالغ طائلة تصل إلى نصف مليون ريال يمني بالعملة القديمة (نحو 1000 دولار أمريكي) مقابل الكشف عن أماكن الألغام ونزعها من كل مزرعة.
وفي ظل انهيار الوضع المعيشي وتفشي الفقر في السهل التهامي، يمثل هذا المبلغ شرطًا تعجيزيًا يفوق قدرة الغالبية العظمى من السكان، وهو ابتزاز واضح أجبر قلة من المزارعين على بيع ما تبقى لديهم من مدخرات شحيحة أو مواشٍ لتأمين الفدية الحوثية وإنقاذ أرضهم، في حين وقف معظمهم عاجزين، يرقبون مزارعهم المحاصرة بالموت دون قدرتهم على فعل شيء.
وتتربع محافظة الحديدة اليوم على رأس قائمة المحافظات اليمنية الأكثر تضررًا من جراء حقول الألغام الحوثية، التي خلفت آلاف القتلى والجرحى على مدى عقد، ما يضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تتطلب ضغطًا حقيقيًا لإجبار المليشيا الإرهابية على تسليم خرائط الألغام دون قيد أو شرط، ووقف سياسة الابتزاز التي تتبعها.







