تكتسب الأبنية التاريخية حول العالم شهرتها العظيمة بفعل صمود عمارتها أمام اختبار الزمن... ولكن ما الأسرار الكامنة بين واجهات هذه الأبنية العتيّة؟

بنايات قديمة

يتطوّر التصميم والهندسة بسرعة، ويشمل هذا المباني الحديثة. إلا أن كثيرا من المباني المدنية - نحو نصف مساحة البنايات المكتبية في مدينة نيويورك بني قبل 1945 - أنشئت قبل ظهور مفاهيم كالاستدامة، وتغيّر المناخ، وحتى إعادة التدوير، مما يؤدي إلى مساهمتها في مزيد من الهدر وعدم الكفاءة.

ومع الدخول في مرحلة العصرنة، شهدت الأبنية التاريخية تحديثات شملت النوافذ ونظم الإضاءة والتركيبات الصحية وأنظمة التبريد والتدفئة الجديدة، مما سيساهم أخيراً في توفير أموال المالكين والمشغلين وحفظ الطاقة في وقت واحد.

تستهلك الأبنية نحو 73 في المائة من الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة، وتساهم بشكل غير مباشر في 38 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أي بنسبة تفوق الانبعاثات الناتجة عن الصناعة ووسائل النقل. وللفوز بمعركتها في مواجهة تغيّر المناخ، تحتاج المدن إلى الاعتماد على أبنية أكثر فعالية على صعيد الطاقة.

مباني نيويورك وباريس

تورد مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» الأميركية عددا من الأبنية التاريخية التي سلكت طريقاً صحيحة في هذا المجال، يترتب على الأبنية الأخرى سلوكها:

>
مبنى «إمباير ستايت»: جذب مبنى «إمباير ستايت» أنظار مدينة نيويورك عندما كشف عن أضواء «ليد»، (الصمامات الثنائية الباعثة للضوء) البراقة التي اعتمدها عام 2012. لم يقد هذا التغيير في خيارات اللون إلى زيادة من 9 ألوان إلى مليون لون فحسب، بل ساهم أيضاً في انخفاض استهلاك المبنى من الكهرباء إلى الربع. وفي الوقت الذي جذب فيه عرض الأضواء الليلية هذا أنظار العالم، كان المبنى القديم على موعد مع تغيير قريب سيبرهن على إمكانية إدخال ناطحات السحب القديمة في عالم الحداثة.

احتاج ملاك البناء إلى التعامل مع شكوى مستمرة من 30 ألف موظف من العاملين في المكاتب: خلال فصل الصيف، كان التصميم الداخلي القديم يتسبب بأجواء تتراوح بين الحرّ الشديد والبرودة العادية. دعا الحلّ التقليدي المالكين إلى الاستعانة بمصادر برودة أقوى (مبدئياً، ستكون على شكل وحدات تكييف هوائية عملاقة) تصل تكلفتها إلى نحو 17 مليون دولار. ولكنّ الإدارة قرّرت الاستثمار في تحسينات تساهم في تخفيف استهلاك الطاقة، على أمل الحصول على نتيجة مرضية في نهاية العملية.

بعدما عمل فريق من الخبراء على تحليل المبنى، تمّ تقديم نحو 60 فكرة؛ اختيرت 8 من أهمّها وأكثرها عملية بعد عرضها بواسطة عروض المحاكاة بالكومبيوتر. تراوحت التحديثات بين مكونات التبريد والتدفئة والأضواء التي تنطفئ أوتوماتيكياً خلال النهار، وحواجز بسيطة تقي من الحرّ الذي تفرزه شبكات التبريد عبر الجدران.

خلال التحليل، تبيّن أنّ نوافذ المبنى ذات الطبقات المزدوجة تتسبب بكثير من الهدر أيضاً. ولكن بدل تغييرها، تمّت إزالتها، وتجديدها، وتركيبها ومن جديد بعد ساعات لتفادي التعطيل. وخلال ترميمها، أضاف الخبراء عليها طبقة ثالثة رقيقة تحتوي على نوع من الغاز، لتصبح هذه النوافذ اليوم «نوافذ خارقة» تخفف حرّ الصيف وهدر الشتاء إلى أكثر من النصف.

برج إيفل: وهو البرج الأشهر في مدينة النور. ومع الإبقاء على السبب الأساسي لبناء هذا البرج الذي يعد رمزاً هندسياً عالمياً، تمّ تحديث برج إيفل في إطار عملية ترميم استمرت 4 سنوات انتهت عام 2015، وبلغت تكلفتها 28 مليون يورو (32 مليون دولار).

شهد الطابق الأول، على ارتفاع 187 قدما، بناء أو ترميم 3 أجنحة ضمّت مطعماً وصالة للمؤتمرات ومتجرا، وتمّ تركيب أكثر من مائة قدم مربّعة من الألواح الشمسية في أسقف الأجنحة، لتوليد الطاقة الكافية لتسخين نصف كمية المياه المستخدمة في هذا الطابق، بالإضافة إلى الاستعانة بأنابيب جديدة لجمع مياه الندى المتساقط وتوزيعها على الحمّامات، لتوفير المياه وتخفيف عبء العمل على المضخات. لعبت أضواء «ليد» دوراً في تخفيف استهلاك الكهرباء، وساهم تعزيز التزجيج المدعّم في الأقسام الزجاجية بتخفيف حرارة الشمس بنسبة 25 في المائة، بالإضافة إلى تقليص الحاجة إلى التكييف الهوائي خلال الصيف.

وإلى جانب توفير الطاقة، أصبح البرج اليوم يولّد قسماً من طاقته؛ إذ تشارك 17 قدما من التوربينات المصنوعة من الحديد المطاوع والمركّبة فوق مطعم الطابق الثاني في توليد الطاقة عبر الرياح. ويفيد ارتفاع الـ400 قدم في التقاط أفضل أنواع الرياح، وتدور المحاور العمودية لدواليب الهواء بمعزل عن اتجاه الرياح، لتولّد التوربينات نحو 10 آلاف كيلوواط/ ساعة من الكهرباء في السنة. صحيح أن إنتاج الطاقة هذا لا يشكّل إلا القليل من حاجة البرج للكهرباء، ولكنه يكفي لطابق أول فعّال على صعيد الطاقة.

بين سيدني وبرلين

دار سيدني للأوبرا: تعد الأشرعة المرتفعة فوق دار سيدني للأوبرا تحفة فنية من التصميم العضوي، المستوحى من الأجنحة وأشجار النخيل، والصدف البحري، ومعلماً يستمدّ من الطبيعة ما هو أبعد من الشكل الخارجي. ومنذ تدشينه عام 1973، يحصل نظام التبريد الهوائي في هذا المبنى على برودته من مياه البحر المجرورة من الميناء المحيط به، في إطار حلّ ريادي يقلّل استخدام المياه العذبة.

خلال العقد الماضي، عملت إدارة الدار على توسيع روح الاستدامة هذه في سائر أقسام المبنى وحتى المناسبات التي تقام فيه. فقد ساهم استبدال مصابيح «ليد» بأضواء الدار في تقليص استهلاك قاعة الحفلات للطاقة بنحو 75 في المائة، مما خفّف تكلفة الكهرباء السنوية بنحو 44.5 ألف دولار.

وعملت الإدارة أيضاً على تقليل المخلّفات الناتجة عن طاقم العاملين في الدار وزوار صالاتها ومطاعمها مع كلّ سنة. كما نمت أنواع المواد المعاد تدويرها من اثنين إلى ثمانية، مما أدّى إلى ارتفاع نسبة إعادة التدوير الإجمالية من 20 إلى 65 في المائة، على أمل أن تصل إلى 85 في المائة.

لم تكن جميع الحلول المعتمدة في الدار عالية التقنية. فبهدف إطالة حياة مواد البناء، عمد طاقم التنظيف فيها إلى استبدال المنظفات الطبيعية بالمنظفات الكيميائية، والتي ساهمت أيضاً في تحسين نوعية الهواء الداخلي. واستخدم بيكربونات الصودا مثلاً لغسل الإسمنت بينما اعتمد زيت الزيتون والكحول لتلميع البرونز.

مبنى الرايخستاغ: إنّ عملية تحديث مبنى الرايخستاغ، المقرّ السابق والحالي للبرلمان الفيدرالي الألماني، كانت مشروعا عصرياً مهماّ جداً لألمانيا الحديثة. عند اكتمال عملية التحديث عام 1999، بات هذا المبنى المقام في القرن التاسع عشر أكثر من مجرّد دار للتشريع، وتحوّل إلى رمز يعد بمستقبل أفضل.

تعد القبّة الزجاجية، التي صُنفت تحفة فنية على صعيد الشكل والفعالية، العامل الأبرز في التصميم الذي قدّمه المعماري الرائد نورمان فوستر. يعمل مجسّم مخروطي من المرايا على عكس الضوء الطبيعي نحو الغرفة الموجودة أسفله، ما يقلّل الحاجة إلى الإضاءة الصناعية. تتولى سحابة آلية، تغذّيها ألواح شمسية موجودة على السطح، إدارة المجسم المخروطي بشكل يحجب الأشعة المباشرة، للتخلّص من وهج الشمس وخفض الحرارة.

وتعمل القبّة أيضاً على طرد الهواء الساخن من الأعلى دون مراوح. وفي الليل، ينعكس الضوء الصناعي المنبعث من المبنى إلى الخارج، على شكل "منارة".

يتميّز نظاما الطاقة والتبريد الهوائي للرايخستاغ بالابتكار وصداقتهما للبيئة. يتولّى مولّد كهربائي يعمل بالوقود الحيوي، إنتاج 80 في المائة من كهرباء المبنى، و90 في المائة من حرارته. تتلقّى فعالية هذا النظام الدعم من مضخة حرارية تعمل بالطاقة الحرارية الجوفية، وتطرد فائض الحرارة أو البرودة عبر دائرة من الأنابيب الموجودة تحت الأرض، الأمر الذي يساهم في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 94 في المائة.

يعد البناء عاملاً ضرورياً جداً لأهداف ألمانيا الطموحة في مجال الطاقة. تستهدف السياسة الحالية للبلاد تخفيض استهلاك الطاقة فيها بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2050. وحتى ذلك الوقت، من المقرر أن تعمل المباني على خفض طلبها على الطاقة بنسبة 80 في المائة من خلال عمليات التجديد السريعة واستخدام المواد المتجدّدة.

 

الشرق الاوسط

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية