من معاد القول: إن الجماعة الحوثية  لن تكتفي بالانقلاب على السلطة والإجماع الوطني؛ بل تريد الانقلاب على النظام الجمهوري والثقافة والوعي المدني الجمعي الذي يسنده.. وإنها تريد تأبيد نفسها في السلطة، والسيطرة على المستقبل، من خلال وسائل أكثر فاعلية وضمانة من السلاح والعنف، وأهم هذه الوسائل هي "التعليم".
 
كانت هذه الجماعة خلال السنوات الثماني السابقة، تعمل ليل نهار، ومن خلال كوادرها في المؤسسات التعليمية وخبراء أجانب.. على أدلجة التعليم، بداية بالسيطرة على وزارة التربية والتعليم، وقيامها من هناك بصياغة أهداف ومقررات التعليم العام، ورسم السياسة التعليمية في اليمن.
 
تمثلت الأدلجة على هذا الصعيد بقلب أولويات السياسة التعليمية رأسًا على عقب، بحيث إن الهدف الأول والأهم في السياسة التعليمية، وهو: "تنمية ملكات التفكير والذكاء والشخصية النقدية" للطالب، تم حذفه عمليًا، لصالح هدف الجماعة من التعليم وهو: تربية الفرد وجدانيًا وتعليميًا وثقافيًا.. وفق "بروبجندا" كهنوتية تجعله يقدس رموز الجماعة، ومستعدًا دائمًا للدفاع عنها، والتضحية بروحه من أجلها!
 
تقتضي العملية بالضرورة إجراءات ومظاهر منها:
- أدلجة مناهج التربية الإسلامية، من خلال انتقاء النصوص وتوجيه فهمها، لصالح رؤية فئوية طائفية مغلقة متزمتة، على حساب الخطاب الديني المنفتح وتوجهه العام.
- مضاعفة المقررات والمواد الدينية المؤدلجة.
- أسلمة المقررات والمناهج اللغوية والأدبية، من خلال الانتقاء والتأويل؛ بدلًا من مسرحية لشكسبير، أو رواية لنجيب محفوظ، تم تقرير قصة "الأشتر النخعي"، وبدلًا من قصائد البردوني والمقالح تم اختيار قصائد مؤدلجة لشعراء من أتباع الجماعة!
- إفراغ المقررات الدراسية من كل ما يتعلق بتنمية ملكة التفكير والمقارنة والحس النقدي والبُعد الوطني والقومي والإنساني.
 
- تهميش وتغييب المقررات التعليمية المتعلقة بتنمية وعي الشخص بنفسه وبالآخرين وبوطنه والعالم (علم نفس، علم اجتماع، أديان مقارن، تاريخ أديان).
 
- تحويل مادة التربية الوطنية، من مادة لتنمية العقيدة الوطنية، إلى مادة لتنمية العقيدة الفئوية والولاء للمليشيا.
 
- أدلجة الأنشطة المدرسية المعنية بتنمية القدرات الجسدية والعقلية والاجتماعية، وتنمية الثقافة والموهبة الفنية والحس الجمالي والمواهب الإبداعية.. وتوظيفها لخدمة فكر وأيديولوجية الجماعة، وعسكرة التعليم، وتحويل المدرسة إلى معسكر وفقاسة لإنتاج المقاتلين. 
 
لا حاجة لتأكيد خطورة هذه العملية، وبالذات في بلد متعدد الطوائف والأيديولوجيات والتيارات الطائفية كاليمن، ولا لتأكيد حرص "الجماعة الحوثية" على هذه السياسة الخطرة، واعتمادها عليها في الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها. 
 
هذه المليشيا بدأت أصلًا من خلال التعليم في "مدارس الشباب المؤمن"، واللافت أنها دخلت اللعبة السياسية في وقت متأخر، عام 1992، ووصلت إلى السلطة بالسلاح عام 2015م، ما يجعلها- بعد حركة "طالبان"- من أكثر الجماعات الدينية المسلحة اعتمادًا على التعليم في نشأتها ووجودها، وأسرع الجماعات الدينية المسلحة وصولًا إلى السلطة.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية