لطالما كان الشعر والفن والإبداع والأدب والفكر والثقافة.. في مقدمة الأدوات والأسلحة التي يحملها الشعب في مواجهة مختلف أشكال الظلم والقهر والاستلاب، ولطالما كان الشعراء والأدباء والفنانون والمثقفون، على رأس الطليعة الثورية ضد مختلف أنظمة الاستبداد والكهنوت. 
وهذا هو الحاصل في تاريخ وحاضر اليمن، طوال العصر الحديث، متمثلًا بكوكبة عظيمة من شعراء القرن الماضي، كالبردوني والمقالح والزبيري.. وغيرهم من كبار الشعراء الذين حملوا راية الشعر ضد النظام الإمامي البائد، ثم لترسيخ القيم التي دشنتها ثورة 26 سبتمبر 1962م، الخالدة.
لا أحد يدري كيف يشعر هؤلاء اليوم، في قبورهم، وهم يرون التاريخ في اليمن يعيد نفسه على شكل مهزلة، من خلال كائنات همجية وكيانات مسعورة، هي الامتداد الطبيعي للنظام الإمامي، وإن كانت نسخة رديئة أكثر ظلمًا وعنفًا وكهنوتًا وتخلفًا منه!
 
عادت الإمامة إذن.. وبدوره، كان لا بد للشعر أن يعود إلى دوره الطبيعي في معارك النضال وملاحم الكفاح، ومقاومة هذه الظواهر والمظاهر العائدة من كهوف التاريخ، أو حسب عبارة الشاعر "عبدالحكيم الفقيه" في قصيدة "انهيار":
"الخرافة تخرج من قبرها
يخرج الجهل والوهم والكهنوت.
الأساطير ترقص فوق بساط العقول هنا
والجماهير قطرنها الذل
واستفحل الظلم
والناس في غيها لا تعي
والحقيقة مأسورةٌ في سجون السكوت".
..
"عبد الحكيم الفقيه" هو بحق أحد أبرز شعراء المعاصرة في اليمن، كاستحقاق فني لموهبته وقدراته الشعرية الاستثائية في كتابة القصيدة المعاصرة بمختلف أشكالها، عمودية وحرة، وبشكل خاص في الشعر المدوّر، فضلًا عن شعريته التي تتجلى في كتابته النثرية القائمة على التكثيف والتوهج والمجانية:
"الجراد عادةً تحب اللون الأخضر".
 
من جهة أخرى، "الفقيه" شاعر القضية اليمنية كاستحقاق مضموني، لانشغاله بالهموم الوطنية على امتداد تجربته الشعرية، وهو ما اضطره كثيرًا للوضوح دون السقوط في المباشرة والابتذال، وهي مهمة صعبة تتذرع ببساطة عبقرية لا يمكن اختزال نصوصها في المعنى والتأويل.
قصيدة "انهيار"أعلاه، صرخة احتجاج كاشفة في وجه الكهنوت البائد العائد على صهوة الخرافة، متسلحًا بالوهم، ومراهنًا على جهل الشعب، والأساطير الكهنوتية، للعبث بعقول الجماهير، وقطرنة المغرر بهم من جديد، وقمع غيرهم وإجبارهم على التزام الصمت.
هذا الشرح المدرسي يجرح بالتأكيد جمال القصيدة، وإن كان لا بد منه في هذا المقام المعني بدور الشعر والأدب عمومًا في القضايا والمعارك الوطنية، في هذه المرحلة اليمنية الراهنة المكتظة، بشكل استثنائي، بالأزمات والصراعات والتحديات والصعاب والقضايا الوجودية والمصيرية.
 
يستند الشاعر "عبدالحكيم الفقيه" في انشغاله بالهموم والقضايا الوطنية، على وعي عميق، وثورية رزينة مسؤولة تخلو من النزق والمراهقات الثورية، بداية من موقفه من أحداث ما سُمي بالربيع العربي، كاضطرابات شعبوية لتمكين الجماعات الدينية، ما رفضه الشاعر العربي الكبير "أدونيس" بقوله: "لا أؤمن بثورة تخرج من المساجد". 
في اليمن انضاف رجال القبائل إلى رجال الدين، في قيادة وإدارة وتوجيه الاضطرابات، وهو ما رفضه الشاعر الفقيه متسائلًا بمرارة:
"كيف- بالله عليكم- سوف تبنى دولة الحلم على أيدي القبائل؟!!!
هل سيبني رجل الدين بلادًا
وهو مشغول بتحريم سفور الوجه أو كشف الجدائل؟!!!!
 
وكما في بلدان عربية أخرى، عصفت تلك الأحداث بأنظمتها وشعوبها، وما تزال أوضاعها خارجة عن السيطرة؛ حدث المِثل في اليمن، وإن كانت تبعاتها الكارثية في اليمن هي الأكثر مأساوية وتعقيدًا على الإطلاق؛ ففي ظل انهماك الفرقاء بالتناحرات البينية، في ظل النظام الجمهوري، اجتاحت المليشيا الحوثية صنعاء، وعادت الإمامة لتفرض نفسها على حساب الجميع.
كانت الفاجعة أسوأ مما تخيله الفرقاء حتى في كوابيسهم السوداء. سقط النظام الجمهوري، بكل ما تحقق في ظله للجميع من قيم الحق والعدل والحرية والمساواة.. والحداثة والمعاصرة.
بالنسبة للشاعر هي كارثة كونية، بذاتها وبما ترتب عنها من حروب وأزمات، ضاع وتدمر كل شيء، وأكثر من ذلك، الإحساس أصبح وجعًا كبيرًا، والقصيدة باتت قيمة جارحة، يقول في "أوجعتني القصيدة":
"ينفق البحر أوقاته بين جزر ومد
والرياح لها قوة وأمد
والمدينة شاخت من الحرب
والغيم غادر أجواءها وجمد
لا تلوكي اللبانة يا طفلة المستحيل
ولا تدخلي في الزوابع
ولتحذري أن تداهم عينيك في غفلة بصمات الرمد
لا جدار سيسند قاماتنا أو صمد
نزحت عن جداولنا همسات الخرير
وقطر الندى غادرت عشبنا
والسماوات آيلة للسقوط بدون عمد
خمد الموت رمانة الأمنيات وأشجارنا والطيور وصوت المغني همد
صقل الرعب خنجره وبخاصرة الأغنيات غمد
النوارس والضوء،
ماء الصنابير،
صفصافة المرج، 
ذاكرة الدرب،
تين البساتين،
لام الكلام،
أريج الأزاهير،
مدرسة الشوق،
قيثارة الليل،
خيل التواريخ،
خبز الأناشيد،
شاي الظهيرة،
ظل البنفسج،
خارطة البوح،
لا شيء أبقت لنا القاذفات سوى وجع القلب والآه في زفرات الردى والكمد
أوجعتني القصيدة في الزمن الطائفي المعمّد والمعتمد".
 
لكن؛ لا أسوأ من وجع القصيدة، من قهر أنك ممنوع من كتابتها، أسوأ ما حدث في اليمن هو ما حدث على صعيد حرية التفكير والتعبير، تحت طائلة الفرمانات والمحظورات والملاحقات الأمنية من قِبل عتاولة النظام الكهنوتي.. كوميديا سوداء أبدع الفقيه في التعبير عنها في قصيدة "مرسوم" متقمصًا فيها وجه الحاكم الحوثي ومتحدثًا بلسانه:
"ﺍﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻗﺎﻝ:
ﻟﻠﻤﻮﺍﻃﻦ ﺣﻖ ﺍﻟﻤﺪﻳﺢ ﻟﺤﻀﺮﺗﻨﺎ
ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺼﻴﺪﺓ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ..
ﻭﻟﻪ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﻨﺎﺷﺪﻧﺎ
ﻟﻨﺨﻔﻒ ﻓﺘﺮﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ
ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻤﺪ ﻟﻪ ﻓﺘﺮﺓ ﺍﻻﻋﺘﻘﺎﻝ..
ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺴﻬﻞ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺒﺮ
ﻟﻮ ﻗﺮﺭ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻝ.
ﺍﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻗﺎﻝ:
ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻀﺎﻋﻒ ﺻﺨﺮﺓ ﺳﻴﺰﻳﻒ ﻓﻮﻕ
ﺍﻟﻜﻮﺍﻫﻞ
ﻧﺤﻦ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﻮﺩﻩ ﻻﺣﺘﻤﺎﻝ ﺍﻟﻬﻤﻮﻡ
ﺍﻟﺜﻘﺎﻝ..
ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺸﺪ ﻋﻠﻰ ﻳﺪﻩ
ﻟﻴﺤﺎﻛﻢ ﻋﻬﺪًﺍ ﻣﻀﻰ ﻭﺍﻧﻘﻀﻰ ﻭﺍﺳﺘﻘﺎﻝ".
 
الحرية في اليمن باتت متاحة فقط لمدح الأئمة الجدد، ومحاكمة النظام القديم، وصب اللعنات على العهد الجمهوري، ومع ذلك فهذه الجائحة جعلت الجميع في اليمن، يحتفي بذكرى ثورة ٢٦ سبتمبر، كما لم يكن يحدث في العهد الجمهوري نفسه، ويستعيدها وجدانيًا وثقافيًا، كخطوة لا بد منها لإعادة النظام الجمهوري إلى الواقع، كما في قصيدة للفقيه، مهداة شعريًا إلى روح الشهيد الخالد "علي عبدالمغني":
"صباح الخير يا أيلول
يا سيف الهوى المسلول
صباح الثورة الخضراء
في أرض المنى المبلول
صباح الوردة الحمراء
في خد السنا المأمول
صباح الخير يا صنعاء
صباح الثائر المقتول..
*
طرز الوقت فستان صنعاء في صبح يوم الخميس، النجوم مرصعة والشموس، وقصر البشائر يحرقه الثائرون كسيجارة في المهب، هنا "مارد الثورة" الأم تطلق أشواق شعب وتقصف عرش الطغاة، وتعلن تدشين عصر المساواة والانعتاق.
*
لقد كسر الشعب أغلاله وتحرر من زمن الأوصياء ومن مرض الطائفية والانغلاق.
*
هو ألف عام من الصبر والذل والجور حتى أتت ساعة الانطلاق.
*
هنا عزف الشعب أنغامه، والقصائد ضاحكة ومزركشة كالفراشات في أفق الأغنيات، الإذاعة تعلن بدء الحياة فما عاد سجن وقيد وزنزانة واختناق.
*
نعم خالد أنت يا فجر أيلول، يا سيد الوقت، يا ومضة من بريق النضال ويا مسلكًا للهدى والندى والعناق.
*
إذن: لن تعود الإمامة للحكم في بلد الثائرين، ولن يقبل الشعب أي هراء؛ فأيلول بؤبؤ عين الجبال ووهج النضال، وسر التفتح والانبثاق.
*
لقد عطر الشعب ياقته ومشى يتوهج بالحلم في كل منعطف وزقاق".
 
بطبيعة الحال، شارك شعراء كثيرون الشاعر الفقيه في هذه المعركة والقضية، وإن كان يمتاز عنهم بخصائص تجعله رقمًا صعبًا في الشعر اليمني الحديث، وأحد أهم شعراء المعاصرة في اليمن منها:
• المعرفة: "الفقيه" مثقف نوعي وأكاديمي مكين، ويمتلك أكثر من لغة، ما مكنه من تكوين ثقافة واسعة، مهمة بالضرورة كبنية تحتية للكتابة الأدبية والشعرية.
• الرؤية: بجانب الثقافة، واستنادًا عليها، يمتلك الفقيه شخصية نقدية خاصة، ترفد التجربة الشعرية بالوعي، وتجعلها أكثر دقة واستبصارًا، وتمنحها الرؤية التي لا بد منها لأي تجربة شعرية ناضجة مميزة.
• الكفاح المجاني: الفقيه، رغم يساريته، وتجربته السياسية المخضرمة، شخص مستقل، يقاتل في الداخل بمفرده، لا يتبع أي جهة سياسية نافذة، ويضحي مجانًا دون أي مقابل في معركة يعتبرها معركته الخاصة، وهذه نزاهة وتضحية ونبل وتجرد منقطع النظير.
• الصوت الخاص: في مقابل كثير من شعراء المعاصرة الذين ما زالوا أسارى للتقليد، ومجرد أصداء باهتة للبردوني أو نزار قباني أو درويش.. وعالة عليهم، امتلك الشاعر الكبير عبدالحكيم الفقيه صوته وأسلوبه ولغته الخاصة المميزة.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية