مقتل سيف الإسلام القذافي.. الرصاصة التي هزت ليبيا
لم يكن الخبر المتداول عن مقتل سيف الإسلام معمر القذافي في الثالث من فبراير 2026 مجرّد حادثة أمنية عابرة في مدينة الزنتان، بل بدا حدثًا محمّلًا بدلالات سياسية عميقة في سياق ليبي معقّد، تتداخل فيه الصراعات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. فحتى قبل اكتمال التحقيقات الرسمية، كان واضحًا أن هذا الحدث سيترك أثرا يتجاوز الشخص إلى مجمل المشهد السياسي الليبي.
سيف الإسلام القذافي لم يعد في السنوات الأخيرة مجرد اسم من الماضي، بل تحوّل إلى فاعل سياسي محتمل ورمز متنازع عليه. التفّ حوله أنصار النظام السابق، وشرائح اجتماعية وقبلية شعرت بخيبة أمل من مآلات مرحلة ما بعد سقوط النظام، ورأت في عودته فرصة لإعادة التوازن أو استعادة فكرة الدولة المركزية. عودته إلى الواجهة وترشّحه للانتخابات أعادا خلط الأوراق، وأدخلا عنصرا عصيًّا على الاحتواء في معادلة سياسية تقوم أصلًا على تسويات هشّة وإقصاءات متبادلة.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن مقتله أوسع من توصيفها «عملية اغتيال»، ليعكس منطق الإقصاء الذي لا يزال يحكم الصراع الدائر في ليبيا.
ان الطريقة المتداولة حول الحادثة، من اقتحام مسلّحين ملثّمين لمقرّ إقامته، وتعطيل كاميرات المراقبة، وحدوث مواجهة مباشرة انتهت بإصابته بعدّة طلقات نارية، توحي بعملية منظّمة تحمل رسالة سياسية واضحة: إبعاد لاعب لا يمكن دمجه بسهولة في ترتيبات المرحلة المقبلة.
غياب سيف الإسلام، فعليًا أو سياسيًا، يعيد تشكيل ميزان القوى. فقد كان ينافس على قاعدة اجتماعية حسّاسة تمتد عبر مناطق قبلية وشرائح ناقمة، وهي قاعدة تتقاطع مع مشاريع سياسية أخرى.
في المقابل، ترى قوى سياسية في الغرب الليبي أن عودة سيف الإسلام كانت تمثّل تهديدًا رمزيًا لمكتسبات فبراير 2011 وللسردية المرتبطة بفكرة «الشرعية الثورية». ومن ثمّ، فإن غيابه يُفهم لدى هذه الأطراف باعتباره إزالة لعائق سياسي وأيديولوجي طالما أثار القلق، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة.
أما دوليًا، فقد شكّل سيف الإسلام معضلة حقيقية. فهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وفي الوقت نفسه يمتلك حضورًا داخليًا لا يمكن تجاهله. إدماجه في أي تسوية سياسية كان معقّدًا، وإقصاؤه قانونيًا كان مكلفًا. لذلك، فإن غيابه، إن تأكّد نهائيًا، يبسّط المشهد أمام الأطراف الدولية الساعية إلى تسوية سريعة، ولو كان ذلك على حساب التمثيل الشامل.
غير أن التداعيات لا تقف عند حدود المستفيدين. فإقصاء شخصية بحجم سيف الإسلام القذافي لا يعني نهاية التيار الذي يمثّله، بل قد يعمّق شعور التهميش لدى أنصاره، ويدفع نحو احتقان سياسي أو أمني مؤجّل. كما أن تكريس منطق الإقصاء يعزّز القناعة بأن الوصول إلى السلطة في ليبيا ما زال خاضعًا لمنطق القوّة لا للتنافس السياسي، وهو ما يضعف أي مسار انتخابي حقيقي.
في المحصّلة، لا يغلق مقتل سيف الإسلام القذافي ملفًا بقدر ما يفتح مرحلة أكثر تعقيدًا؛ مرحلة يُعاد فيها ترتيب المشهد على أرضية أكثر هشاشة، ويُعاد فيها إنتاج الأزمة بدل معالجتها، في بلد لا يزال عاجزًا عن استيعاب التعدّد السياسي ضمن مشروع وطني جامع.







