الحوثيون وانتهاك الأماكن المقدسة والفضاءات التعليمية
في قلب صنعاء، حيث تتشابك الأزقة الحديثة مع صروح التاريخ العتيق، وتختلط رائحة الزمن برائحة الحجر القديم، وتتناثر المعالم المعمارية كصفحات من كتاب مفتوح عن سيرة مدينة، ترد أخبار تذكّرنا بأن الرموز الكبرى لا تعيش في مأمن دائم، وأن الفضاء العام قد يتحول إلى ساحة صراع بين الوعي والهيمنة، بين معنى الحضارة ومنطق المليشيات.
هناك، يعلو جامع الصالح بوصفه أحد أبرز المعالم العمرانية والدينية في المدينة، جزءًا من الذاكرة التاريخية وعلاقة اليمنيين بالمكان. غير أن المشهد الذي يتكشف اليوم يثير القلق، ويكشف عن عمق الانتهاك الذي تمارسه مليشيات الحوثي بحق الرموز المقدسة. فالجامع، الذي شُيّد ليكون منارة روحية ومعمارية حاملًا عبق التاريخ وذاكرة الأجيال، جرى تحويله في السنوات الأخيرة إلى أداة استغلال تقني ومالي، بعد أن صارت مناراته مجرد أدوات استثمارية لصالح شبكات الإنترنت، منزوعة من معناها الروحي، ومفصولة عن الغاية التي أنشئت من أجلها.
لم يعد الجامع فضاء للعبادة أو الجمال أو الفكر، بل أُدرج ضمن منظومة استغلالية أوسع، يعاد فيها تشكيل المكان خارج سياقه التاريخي والروحي، ليخدم مشروعًا سلاليًا كهنوتيًا يختزل كل شيء إلى أداة وظيفية: تقنية، أو مورد مالي، أو منصة للسيطرة على الوعي. هذا التحول يكشف عن رؤية المليشيات التي ترى في المقدس مادة قابلة للتوظيف، وفي الرموز الدينية مجرد وسائل للهيمنة.
لا يقتصر الانتهاك على الوظيفة، بل يمتد إلى الجمال نفسه. فجامع الصالح ليس بناءً حجريًا محايدًا، بل تحفة معمارية تتكامل مع المشهد الحضاري للمدينة، وتحمل في قبابها ومآذنها ونقوشها ذائقة جمالية تشكلت في لحظة تاريخية بعينها. إن تشويه هذا التوازن عبر إدخال استعمالات تقنية لا تراعي المعنى الرمزي أو البعد البصري، لا يطمس جمال المكان فحسب، بل يخلق قطيعة بين الإنسان وذاكرته البصرية، ويحول المعلم من رمز حي إلى هيكل بارد منزوع الدلالة.
ومع كل تعديل يفرض، وكل استخدام يعاد تعريفه، تتقدم خطوة إضافية في مشروع أوسع لإعادة تشكيل المدينة ووعي سكانها، وفق منطق السيطرة لا حاجاتهم الإنسانية أو تاريخهم المشترك. فالمساجد، التي كانت تاريخيًا فضاءات للعبادة والتعلم والتلاقي الاجتماعي، تحولت إلى أدوات لضبط المجال العام، وترويض الوعي، وإضعاف الروابط الطبيعية بين الناس، بحيث يغدو كل رمز، وكل منارة، وكل فضاء تحت تصرف المليشيات وفق أطرها الضيقة.
يمتد الانتهاك نفسه لهذه المليشيات إلى المدارس والجامعات، حيث يعاد تشكيل المناهج والمقررات، ويتم توجيه الطلاب وفق رؤى طائفية ضيقة، بحيث تصبح المؤسسات التعليمية أدوات لتغذية المشروع السلالي الكهنوتي، وزرع الولاء للمليشيا بدل الوطن. كل هذه المساحات، التي من المفترض أن تكون منبرًا للعلم والتنوير، تحولت إلى منصات لتكريس الفوضى الفكرية والطائفية، وإعادة إنتاج مشروع يقوّض المجتمع من الداخل.
لم تكن هذه المؤسسات، في التاريخ الإسلامي، أبنية محايدة، بل كانت دائمًا في قلب الصراع، لأنها تمثل الذاكرة والشرعية والهوية. ولهذا لم يكن استهدافها يومًا فعلا عرضيًا. ففي القرن الرابع الهجري، حين اقتحم القرامطة مكة، لم تكن جريمتهم في سفك الدماء وحده، بل في قلع الحجر الأسود، في رسالة رمزية تقول إن كسر الذاكرة ممكن. ومع ذلك، عاد الحجر، وبقي المسجد، وزال الفاعلون إلى مزبلة التاريخ، وبقي فعلهم شاهدًا على فشل مشروعهم.
اليوم، يكرر التاريخ نفسه بصور مختلفة، إلا أن الدرس يثبت أن الرموز الكبرى لا تموت في وعي الناس، بل تزداد رسوخًا كلما حاول الطغاة إسكاتها. وما تقوم به مليشيات الحوثي امتداد لمنطق ظلامي يتكرر عبر التاريخ، حيث يحاول الطغاة إخضاع الرموز، لا لأنها خطر مادي، بل لأنها تحمل معنى لا يمكن السيطرة عليه. استهداف جامع الصالح، وتغيير أسماء الشوارع والمدارس، لا يقتصر على التغيير الشكلي، بل يسعى إلى إعادة تشكيل علاقة الناس بتاريخهم ومكانهم، وتحويل الذاكرة إلى مادة قابلة للتزوير، والجمال إلى ترف زائد، والروح التاريخية إلى عنصر يمكن تجاوزه.
إن الخطر الحقيقي هنا لا يكمن فقط في انتهاك قدسية المكان، بل في الأثر الإنساني لهذا الفعل. حين تستباح الأماكن التاريخية، ويتحول الفضاء العام إلى أداة، يُدفع الإنسان تدريجيًا إلى فقدان إحساسه بالانتماء، واستمراريته، وأن المكان يعكسه ويحمي ذاكرته. وهكذا يفصل الفرد عن جذوره، ويعاد تشكيل وعيه ضمن مشروع طائفي سلالي يقوم على تجريف الهوية التاريخية، وتفكيك الذاكرة الجمعية، وإحلال هوية دخيلة طائفية محل الانتماء الإنساني الواسع.
الخلاصة: هذه المليشيات ترفض إدراك أي قيمة حضارية أو جمالية للتاريخ أو العمارة اليمنية، ولا تقدّر المشهد الحضاري، أو تحترم الإرث الفني والمعماري، وإنما تسعى إلى تحويل كل شيء إلى وسيلة لإعادة تشكيل وعي الناس، وزرع الانقسام، وتوسيع دائرة الخضوع للقوة بدل القيم.
هذا الانتهاك يشكّل تهديدًا مزدوجًا: للبعد الروحي والاجتماعي، وللذاكرة المعمارية والثقافية. المساجد، التي كانت دومًا مرايا للحضارة، وفضاءات للتلاقي الاجتماعي والفكري، تحولت إلى أدوات في مشروع مليشياوي يهدف للسيطرة على الوعي الجمعي، بعيدًا عن أي اعتبار للمصلحة العامة أو القيم الحضارية التي قامت عليها المدن اليمنية على مر القرون.
في النهاية، فإن استهداف المساجد والمدارس والجامعات بهذه الطريقة ليس حربًا على الحجر فحسب، بل على الإنسان نفسه: على ذاكرته، وعلاقته بالمكان، وكسرًا خفيًا للخيط الذي يشدّ الذاكرة بالمعنى. الحوثي اليوم يسطو على حاضرنا ويمنح نفسه حق صياغة المستقبل.
اليوم، نحن أمام حرب السيطرة على التصورات الأساسية، ومعركة على الوعي، بحيث يراد للمدن أن تنسى نفسها، ولليمني أن ينسى من يكون.







