أدري.. سيرفض كثيرون هذا الطرح، لأسباب مفهومة لكنه، في كل حال، يظل أقرب توصيف لطبيعة ونوعية الصراع العربي الإسرائيلي، بانبنائه على المحددات الموضوعية التالية:


أولاً: القضية الفلسطينية قضية احتلال واستيطان.. وهي قضية حقوقية إنسانية عادلة تهم وتستحق دعم وتضامن كل الأحرار في العالم، والعرب والمسلمين بشكل خاص.
ثانيًا: كون فلسطين عربية وإسرائيل عبرية لا يعني، بالضرورة، أن الصراع العربي الإسرائيلي صراع وجودي بين الهويتين القوميتين.


ثالثاً: كون إسرائيل يهودية، وفلسطين مسلمة هو بالمثل لا يعني، بالضرورة، أننا أمام صراع عقائدي شامل وسرمدي بين أتباع الديانتين.


رابعاً: القضية الفلسطينية قضية فلسطينية، والقول: إن هذه القضية قضية العرب الأولى والمركزية، طرح ساذج، أو محاولة انتهازية لصرف الشعوب العربية عن قضاياها الأولى والمركزية.


وأخيراً: الصراع العربي الإسرائيلي هو في جوهره: "صراع حدود، لا صراع وجود". بمعنى أنه يتلخص فقط في "أرض متنازع عليها" حالياً في فلسطين وسوريا، وسابقاً في مصر ولبنان.

وعليه؛ فإن تسوية معقولة مقبولة من قِبل الشعبين، الفلسطيني والسوري، بشأن قضايا الأرض والحدود واللاجئين والاستيطان.. ستحل المشكلة، وبالتالي سيفقد هذا الصراع مبرراته الموضوعية.. ربما إلى الأبد.

حتى ذلك الحين، "لا جدوى للحرب بدون مصر، ولا معنى للسلام بدون سوريا"، تماماً كما قال السياسي الشهير المخضرم "هنري كيسنجر"، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق،
كما لا قيمة للهرولة المجانية للتطبيع مع إسرائيل، ما لم يتأسس هذا التطبيع على رؤية استراتيجية تتضمن العمل على تسويات نهائية شاملة، وفق تصور واضح، كمبادرة الملك السعودي السابق "عبدالله بن عبدالعزيز".

ويظل الأسوأ عموماً هو هذه الحالة المزمنة من "الكساح العربي" الذي يحرّف القضية الفلسطينية، ويجرّف الأوراق والشروط العربية مع الزمن المتشرنق حول اللاءات الثلاث: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف". وبالذات حين يتبلور وفق الرؤى الانتهازية للأنظمة والتنظيمات الأيديولوجية في المنطقة.

من وجهة نظر هذه الأنظمة والتنظيمات الشمولية.. هذا تبسيط مخل؛ فالصراع العربي الإسرائيلي- حسب تصور قوى "الإسلام السياسي" هذه- جزءٌ من صراع عالمي سرمدي بين الخير والشر أو الإيمان والكفر..!

قوى اليسار العربي؛ قومية واشتراكية.. تحمل هي الأخرى نفس هذا التصور العالمي لهذا الصراع، لكنها تجعله بين المستضعفين في الأرض والقوى الإمبريالية والرأسمالية الغربية!

وفق هذه الرؤى الشمولية المتماثلة جوهرياً، فحتى "تحرير فلسطين- كل فلسطين" لا يكفي لإنهاء هذا الصراع الذي تم منحه أبعاداً وامتدادات دينية وقومية وتاريخية.. وجودية ومصيرية!

إيران وأتباعها، على سبيل المثال، يرون أن القضية تشمل كافة يهود العالم، وتمتد بالموت إلى أمريكا فضلًا عن الصهاينة وإسرائيل، وفق أجندة براجماتية توسعية أسقطت حتى اليوم أربع عواصم عربية، تحت شعارات تحرير "القدس"!

كان عبدالناصر أنبل من يمثل الفكرة الوجودية للصراع العربي الإسرائيلي. على الأقل كان جاداً صادقاً مع نفسه ومع غيره عندما واجه إسرائيل بشكل مباشر خلال حرب 67، وقال عبارته الشهيرة: "ما لإسرائيل إلا البحر".

على الجانب الإسرائيلي، هناك بالمثل عناصر وأطراف تتحدث عن خرافة "أبناء الله" و"أرض الميعاد"، وتتشبث بالوعود والحدود التوراتية، وترى في احتلال فلسطين استعادة مشروعة، وربما واجبة لحق تاريخي، وهبة إلهية قديمة!

الفكرة القومية الدينية واحدة هنا وهناك؛ غير أنها بارزة وشعبية ومبتذلة أكثر على الجانب العربي الإسلامي، ومن تحصيل الحاصل أنها لا تؤدي إلى حل، بقدر ما جذرت المشكلة التي ما زالت مفتوحة على احتمالين اثنين لا ثالث لهما:
• إمّا تسوية عادلة شاملة.. لمشكلة الأرض والسكان، بناءً على أن هذا الصراع صراع حدود لا صراع وجود.
• أو استمرار محاولات الاجتثاث الكامل، ومحو الآخر من الخارطة، بناءً على أن هذا الصراع صراع وجود لا صراع حدود.

هذا الخيار الأخير، كان غالباً في صالح إسرائيل، حتى في ذروة المد القومي اليساري، الذي- رغم كل شيء- نجح في جوانب التنمية والتحديث، وحرر شعوباً عربية عدة من أنظمتها الرجعية أو الاستعمار الأجنبي.

المد الديني الراهن، بالمقارنة، ظاهرة معادية للمدنية والتنمية والتحديث والحضارة.. ودمرت كل ما حققه المد القومي واليساري، من قيم ومؤسسات ومنجزات حديثة بناءة، قادرة على كبح جماح إسرائيل.
وبهذا.. فهذا المد العارم لقوى الإسلام السياسي، الشيعي والسني.. ظاهرة حليفة لإسرائيل التي لم تكن تحلم حتى أن تثأر بهذا الشكل المجاني من العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا.. بتفتيتها حتى العظم، وجعل هذه الدول المناوئة لها على حافة أن تفقد مواقعها على الخارطة!

* المقال يمثل رأي الكاتب

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية