غيلان يكتب: سُوس العرب العدو الأول مكرر

لم يعد خافيًا على اليمنيين والعرب والعالم أجمع أن مليشيا الحوثي الإرهابية تمثل الذراع الأكثر تبعية  لإيران في اليمن، وأنها جزء من منظومة أذرع إيرانية تنتشر في المنطقة لتقويض الاستقرار وزعزعة الأمن وتدمير الدول وإثارة الصراعات داخل المجتمعات العربية، وقد حدّدت هذه المليشيا موقفها بوضوح -منذ سنوات- حين اختارت التخندُق ضمن المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة.

وحتى بعد أن تكشفت طبيعة العداء الإيراني للدول العربية، والذي تجلّى في استهداف إيران عددًا من الدول العربية بعد تعرضها لحرب مباشرة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، فسارعت إلى استهداف السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر وعمان والأردن والعراق؛ ضمن محاولات إيرانية لتوسيع دائرة الصراع، بهدف تحويل الصراع إلى حرب إقليمية واسعة.

لكن اللافت أن مساندة إيران في عدائها للعرب لم تعد مقتصرة على أذرعها الصريحة من الجماعات المسلحة والتنظيمات المعروفة في بعض الدول العربية، بل باتت تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، تتسلل أحيانًا من داخل البيئات السياسية والإعلامية في دول المنطقة، والتي تعمل جاهدة على نبش وإثارة التباينات أو الاختلافات السياسية السابقة؛ لتفكيك الموقف العربي الذي يتوحد ضد إيران بشكل واضح وصريح، وتعبر عنه دول الخليج على وجه الخصوص بشكل يومي، واتسع الموقف إلى مجلس التعاون الخليجي ثم إلى الدول العربية والجامعة العربية.

منذُ بداية عدوان إيران على دول الخليج ثم على دول عربية أخرى بادر القادة العرب إلى التواصل ببعضهم، لتشكيل موقف تضامني موحد ضد العدوان الغاشم الذي تمارسه إيران، متجاوزين كل الاختلافات الصغيرة إن وُجدت، ولعل ما حدث في هذا السياق تلك التصريحات والمواقف والاتصالات التي أجراها ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، والذي بادر إلى التواصل وتشكيل موقف موحد، وأعلن صراحة أن كل امكانيات الدولة السعودية ستكون مسخرة للدول العربية في مواجهة العدوان الايراني، وهو موقف كبير يليق بالسعودية واستطاع الأمير محمد من خلاله استباق خطر الاختلافات البسيطة وتجاوزها لهدف كبير وعظيم، غير أن ثمة أصواتًا مريبةً ما زالت تغرد خارج السرب العربي، وتحاول إثارة التباينات والاختلافات، والنبش في ملفاتها، لتوظيفها في محاولة تفكيك الموقف العربي؛ خدمة للمشروع الإيراني.

في اليمن -على سبيل المثال- تتجسد الذراع الإيرانية الصريحة في جماعة الحوثي، التي أعلنت ولاءها السياسي والعسكري لطهران، غير أن المشهد لا يقتصر على هذه الذراع المكشوفة، إذ تظهر أحيانًا أصابعُ أخرى تتحرك في الاتجاه ذاته، ولكن بطرق غير مباشرة، من خلال استهداف مكوّنات الشرعية اليمنية نفسها، والنبش في اختلافاتها، أو النيل من قواتها التي تقف في خطوط المواجهة الأولى ضد المشروع الإيراني.

من تلك القوى التي تتعرض لهذا النوع من الاستهداف الإعلامي المنظم قوات المقاومة الوطنية والقوات المشتركة المرابطة في الساحل الغربي، وهي القوات التي تضطلع بدور محوري في تحصين هذه الجبهة الاستراتيجية، وتأمين الملاحة في باب المندب، والتصدي لمحاولات التهريب والتخريب التي تمارسها مليشيا الحوثي المدعومة من إيران.

المثير للانتباه أن هذا الاستهداف الإعلامي لا يأتي من إعلام الحوثيين وحده، وهو أمر متوقع في سياق الصراع، بل يظهر أحيانًا من أصوات محسوبة –شكليًا– على بعض مكونات الشرعية اليمنية نفسها وهي أصوات عرفها الناس تتبنى خطابًا يهاجم قوى المواجهة الفعلية مع الحوثيين، أو يسعى إلى التقليل من دورها، أو التشكيك في مواقفها، بما يخدم رواية المليشيا وأجندة داعميها.

وتتسع خطورة هذا السلوك حين نجد تلك الأصوات تتبنى سرديات العصابة الحوثية ضد قوى الشرعية اليمنية، ومن خلفها سرديات إيران ضد الدول العربية أو حتى ضد بعضها، وبالتزامن مع لحظة سياسية حساسة تتطلب أعلى درجات التماسك الوطني وأعلى مستويات التضامن العربي.

اليمن اليوم -بكل قواه الشرعية- يقف ضمن موقف عربي واضح في التضامن مع الأشقاء العرب في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، وهو موقف عبرت عنه الدولة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية بشكل صريح.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الدول العربية إلى تعزيز وحدتها في مواجهة السياسات الإيرانية وأذرعها في المنطقة، يظهر داخل بعض المنصات الإعلامية من يحاول صرف أنظار الرأي العام عن هذا الموقف المصيري، عبر إعادة إنتاج الخلافات الجانبية بين مكونات الصف العربي أو تضخيم تباينات محدودة وتحويلها إلى معارك إعلامية مفتوحة.

إن مثل هذه الممارسات، سواء جاءت بدافع الحسابات السياسية الضيقة أو نتيجة اختراقات خفية، لا يمكن أن تؤثر في الموقف العام للقوى الوطنية اليمنية، كما لا يمكنها أن تؤثر على الموقف العربي الذي يزداد قوة ووحدة وصلابة وحزمًا ضد عدوان إيران، لكن أصوات الفتنة تكشف عن وجود ما يمكن وصفه بـ"السوس" الذي يحاول النخر في جبهة التضامن العربي، وإرباك المشهد، في لحظة تتطلب وضوح الرؤية ووحدة الصف.

أبواق الفتنة -أينما وُجدت في هذه الظروف الحساسة- تكشف عن نفسها وعن ولاءاتها وتبعيتها، وتؤكد أن الرهان الإيراني في كثير من الساحات لا يقوم فقط على أذرعه العسكرية المباشرة، بل أيضًا على إضعاف خصومه من الداخل، وإغراقهم في صراعات جانبية تشتت جهودهم وتستنزف طاقاتهم، وفي هذا السياق -على سبيل الاستشهاد- أولئك الذين يتجاهلون  الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، ويتولون ترويج الذريعة الإيرانية الكاذبة عن استهداف القواعد الأمريكية.

التجربة اليمنية -خلال السنوات الماضية- أثبتت أن القوى الوطنية القابضة على خيار مواجهة المشروع الإيراني أكثر وعيًا بطبيعة هذه الأساليب، وأكثر قدرة على التمييز بين النقد المسؤول الذي يخدم المعركة الوطنية، وبين الحملات التي تصب في مصلحة الحوثي ومشروعه الإقليمي.
وكل من ينتمي لمكونات الشرعية اليمنية يدرك أن تماسك جبهة الشرعية وتعزيز الثقة بين مكوناتها ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها.

كما أن القيادات العربية قد وصلت إلى قناعة تجسدها المواقف، بأن المعركة مع المشروع الإيراني ليست فقط معركة جبهات وسلاح، بل أيضًا معركة وعي وبصيرة، تتطلب كشف كل محاولات الاختراق، وتعزيز خطاب عربي جامع يضع مصلحة العرب -شعوباً ودولاً- وأمن المنطقة فوق كل الحسابات الأخرى، وبالتالي فإن "السوس" الذي يحاول العبث من داخل الصفوف والمكونات -في أي بلد عربي- هو عدو أول مكرر، ويجب اجتثاثه.

أخبار من القسم

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية