الحرب الإيرانية.. من تغدى بكذبة ما تعشى بها
في الحروب عادةً ما تتحدث الأرقام قبل التصريحات، وتكشف الوقائع الميدانية حقيقة ما يجري بعيدًا عن الضجيج الإعلامي. لكن في الحالة الإيرانية وأذرعها، الذين تربوا على الكذب والزيف والدجل، يظهر هذا السلوك؛ فكلما انخفض عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها طهران، ارتفع منسوب التهديدات والخطابات النارية الصادرة عن قادتها.
خلال الأيام الأولى من المواجهة، دفعت إيران بما استطاعت من ترسانتها الصاروخية في محاولة لإظهار قوتها وإثبات قدرتها على تغيير موازين المعركة، غير أن الأرقام سرعان ما بدأت بالتراجع بشكل لافت؛ إذ انخفضت الهجمات من نحو 480 صاروخًا و720 طائرة مسيّرة في اليوم الأول إلى 40 صاروخًا و60 مسيّرة فقط في اليوم الأخير، أي بتراجع يقارب 92%. والمفارقة أن هذه الموجات الصاروخية، رغم ضجيجها الإعلامي، لم تُمحُ إسرائيل ولم تهزم أمريكا، بل إن جزءًا كبيرًا منها وُجِّه نحو دول الخليج، في سلوك يعكس ارتباكًا إيرانيًا ومحاولة للهروب من فشل عسكري واضح عبر استعراض القوة في المحيط الإقليمي.
إنها مفارقة تكشف الكثير عن طبيعة هذا النظام الأرعن؛ فبينما تتعرض قدراته العسكرية لضربات موجعة طالت بنيته البحرية والبرية ومنظوماته الصاروخية، يصر قادته على الخروج يوميًا بخطاب متخم بالمبالغات، وكأنهم يخوضون حربًا في عالمٍ آخر. تصريحات لا تتوقف عن الحديث عن "السيطرة على المعركة"، وإسقاط الطائرات، واعتقال جنود أمريكيين، و"إملاء الشروط"، و"الانتصار الاستراتيجي"؛ غير أن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة تمامًا؛ إذ يشير بوضوح إلى تآكل متسارع في قدرات الجيش الإيراني والحرس الثوري على حدٍّ سواء.
والأكثر إثارة للسخرية أن هذا الخطاب المأزوم لا يُوجَّه إلى العالم بقدر ما يُوجَّه إلى الداخل الإيراني؛ فالنظام الذي يدرك حجم الخسائر التي مُني بها، يسعى بكل السبل إلى إقناع شعبه بأن الأمور تسير وفق الخطة، وأن ما يحدث ليس تراجعًا بل "مناورة تكتيكية". وهكذا تتحول كل خسارة إلى "إنجاز"، وكل ضربة موجعة إلى "نصر إعلامي"، في مشهد يكاد يبدو أقرب إلى مسرحية سياسية رديئة الإخراج.
لكن الحقيقة التي يصعب إخفاؤها هي أن إيران اليوم تدفع ثمن سياسات المغامرة التي انتهجها هذا النظام لسنوات طويلة. فقد استنزف موارد البلاد في مشاريع عسكرية توسعية، وزجّ بالشعب الإيراني في صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل، حتى باتت النتيجة واضحة: اقتصاد منهك، وجيش يتلقى الصفعات، ونظام يصر- رغم كل هذا- على الاستمرار في لعبة التهديدات الفارغة.
وفي الختام، قد تنجح هذه الدعاية لبعض الوقت في تضليل جزء من الرأي العام داخل إيران، لكنها لن تغيّر حقيقة واحدة؛ فالصواريخ التي كانت تُطلق بالمئات أصبحت تُطلق بالعشرات، والقدرات التي كانت تُقدَّم كترسانة هائلة بدأت تتآكل تحت ضغط المواجهة. ومع كل يوم يمر، تتسع الفجوة بين خطاب الانتصار الذي يردده قادة طهران، والواقع الذي يراه العالم بأسره. وكما يقول المثل اليمني: "من تغدى بكذبة ما تعشى بها".







