من بيوت العبادة إلى مقايل للقات ومقرات لتفخيخ العقول.. مليشيا الحوثي تدشن عمليات العبث ببيوت الله في الساحل الغربي
لم يعد الأمر مجرد إهمال لدور العبادة، ولا إغلاقًا لمركز تحفيظ القرآن هنا أو هناك. ما يحدث اليوم في مديريات الساحل الغربي بمحافظتي تعز والحديدة، بحسب مصادر محلية ووتوثيق ناشطين، هو تحويل ممنهج للمساجد ودور تحفيظ القرآن الكريم إلى مجالس لمضغ القات، ومقرات للتجمع والاجتماع، بدلًا من أداء الشعائر الدينية وإقامة حلقات التحفيظ.
مساجد كانت عامرة بالحُفاظ والمصلين، تحولت إلى غرف يفترش فيها المسلحون الأرض، وتُدار فيها مجالس القات لساعات، وتُعقد فيها اللقاءات التنظيمية.
من حيس إلى موزع: نفس الانتهاك
في مدينة حيس جنوبي محافظة الحديدة، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي- خلال الأيام الماضية- صورًا تُظهر عناصر من مليشيا الحوثي داخل أحد مساجد المدينة، وهم يمضغون القات داخل حرم المسجد في مشهد أثار موجة غضب واسعة بين الأهالي، الذين اعتبروا ذلك استخفافًا متعمدًا بحرمة بيوت الله.
وفي مديرية موزع غربي محافظة تعز، وقبل أيام فقط من انتشار صور حيس، اقتحمت المليشيا دار تحفيظ القرآن الكريم في مركز المديرية، وأغلقته أمام الحفاظ والطلاب، ومنعت إقامة حلقات التحفيظ فيه، دون إبداء أي مبرر ديني أو قانوني.
حادثتان في مديريتين مختلفتين، وفي محافظتين مختلفتين، لكنهما تحملان الرسالة نفسها: المسجد لم يعد بيتًا لله، بل صار أداة بيد المليشيا، تُفتح وتُغلق حسب مزاجها.
استراتيجية الاختباء خلف المقدس
تقول مصادر محلية؛ إن لجوء المليشيا إلى استخدام دور العبادة في حيس وموزع، وفي جميع المناطق التي يسيطرون عليها، لهذه الأغراض ليس عبثًا، بل تكتيك مدروس؛ فهي تعلم أن المساجد، لحرمتها الدينية ومكانتها في القانون الدولي الإنساني، أماكن محمية لا يُفترض استهدافها، لذلك تتعمد الاختباء داخلها، وتحويلها إلى مجالس ومقرات لعملياتها، دون أن تخشى تعرض عناصرها للاستهداف من قِبل طيران الجيش الوطني.
وهذا، بحسب خبراء قانونيين، هو في حد ذاته جريمة حرب، لأن استخدام الأعيان المدنية المحمية كدروع بشرية، ومقرات للأعمال الإرهابية، يُعرّضها للخطر ويُفقدها الحماية.
كما تستغل المليشيا الإرهابية المساجد للسيطرة على المجتمع؛ فالمسجد في الريف اليمني ليس مكان صلاة فقط، بل هو مركز المجتمع، ومكان اللقاء، ومصدر الثقة، وعندما تسيطر المليشيا عليه فإنها تسيطر على خطبة الجمعة، وعلى حلقات التحفيظ، وعلى من يتحدث ومن يصمت.
فإغلاق دار التحفيظ في موزع، وتحويل مسجد حيس إلى مجلس قات، وجهان لنفس السياسة الرامية إلى قطع صلة الناس بدين الله القويم، وفرض منهج المليشيا الإرهابي، وخرافاتها السلالية.
محاربة الإسلام
منذ سيطرتها على صنعاء في 2014، تتبع المليشيا سياسة ممنهجة ضد دور تحفيظ القرآن ومدارس أهل السنة والجماعة، خاصة في مناطق الساحل الغربي وتعز والحديدة، التي كانت معروفة بانتشار مراكز التحفيظ؛ فهي ترى في هذه المراكز خطرًا فكريًا، لأنها تُخرّج حفاظًا مستقلين لا يدينون بالولاء لخرافات المليشيا الإرهابية، ولا يؤمنون بفكرة الولاية والاصطفاء التي تروج لها.
ما فعلته المليشيا التابعة لإيران بدار التحفيظ في موزع حلقة ضمن سلسلة طويلة من إغلاق ومصادرة وتفجير لعشرات المراكز الدينية في صنعاء وذمار وإب وتعز خلال السنوات الماضية.
استخفاف بحرمة بيوت الله
مضغ القات داخل المسجد، وتحويله إلى مجلس، وتدخين السجائر والشيشة في بعض الحالات التي وثقها الأهالي، ورفع الشعارات الطائفية على جدرانه، كلها ممارسات تتناقض مع أبسط قواعد تعظيم بيوت الله، التي قال الله تعالى فيها: "وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ".
وتقول مصادر محلية: "المليشيا التي تدّعي أنها جاءت لنصرة الدين، هي نفسها التي تجلس في المسجد تمضغ القات، وتمنع الناس من حفظ القرآن، وتغلق دار التحفيظ، ثم تخرج لتتحدث عن الدين في خطبة الجمعة".
مطالبات بالتوثيق والمساءلة
طالبت المصادر المحلية والأهالي في الساحل الغربي الجهات المعنية والمنظمات الحقوقية والإنسانية بتوثيق هذه الانتهاكات، وكشف الممارسات التي تطال دور العبادة والمؤسسات الدينية في مناطق سيطرة المليشيا.
وتشمل المطالبات، التوثيق بالصور والشهادات لكل مسجد تم تحويله إلى مجلس قات أو مقر، وكل دار تحفيظ تم إغلاقها أو اقتحامها.
إدانة دولية واضحة لاستخدام المساجد كدروع بشرية ومقرات عسكرية، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
حماية الحُفاظ والطلاب الذين حُرموا من حقهم في حفظ القرآن وتعلمه، وفتح مراكز بديلة في المناطق المحررة.
إدراج هذه الانتهاكات ضمن ملف جرائم المليشيا بحق المقدسات، تمهيدًا لمساءلة المسؤولين عنها.
إن ما يحدث في حيس وموزع ليس سلوكًا فرديًا لعنصر حوثي جاهل بحرمة المسجد، بل سياسة مليشيا إرهابية ترى في المسجد ثكنة، وفي دار التحفيظ وحافظي القرآن خطرًا وجوديًا.
وإذا كان الساحل الغربي اليوم يشهد تحويل المساجد إلى مجالس قات، فالسؤال الذي يطرحه الأهالي هو: إذا لم يتحرك المجتمع للدفاع عن دينه، والمنظمات الحقوقية والجهات المعنية اليوم لتوثيق وحماية بيوت الله، فمتى ستتحرك؟! وهل ستبقى المساجد بيوتًا لله، أم ستتحول جميعها إلى مجالس للمليشيا تفخخها ومن خلالها عقول الناس بأفكارها الإرهابية؟!







