السرطان في اليمن.. أرقام تنذر بمأساة صحية متزايدة
في بلد أنهكته حروب مليشيا الحوثي الإرهابية وأغرقت أبناءه في الأزمات الإنسانية والاقتصادية والصحية، يتمدد مرض السرطان بصورة مخيفة ويفتك بآلاف الضحايا من المواطنين، في ظل انهيار المنظومة الصحية والقطاع الطبي، وعجز عن احتواء القاتل الصامت، الذي يهدد كل يوم بإسقاط المزيد من الضحايا.
مركز الأمل لعلاج الأورام بمحافظة تعز، رصد في آخر تقرير له، ارتفاعًا لافتًا في أعداد المصابين بالسرطان خلال عام 2025، مسجلًا 1967 حالة جديدة، بزيادة بلغت 21% مقارنة بالعام السابق.
وبحسب التقرير، الصادر عن المركز بمناسبة اليوم العالمي للسرطان في 4 فبراير، فقد استقبل خلال العام الماضي وحده، قرابة 90 ألف حالة تردد، وقدّم أكثر من 393 ألف خدمة طبية، تنوعت بين جلسات العلاج الكيماوي، والفحوصات المخبرية، وخدمات الرقود، والمعاينات السريرية.
وأوضحت البيانات أن النساء كن الفئة الأكثر إصابة بعدد 1050 حالة، تلاهن الرجال بـ755 حالة، ثم الأطفال بـ162 حالة. كما تصدرت سرطانات الثدي والدم والغدد الليمفاوية قائمة أكثر الأنواع انتشارًا.
أما إجمالي عدد المرضى المسجلين في المركز منذ تأسيسه، فقد بلغ 15 ألفًا و464 مصابًا، وفق تقرير مركز الأمل الذي أشار إلى تحديات تشغيلية كبيرة تواجه عمله، أبرزها شح الموارد والإمكانات، مؤكدًا حاجته الملحة إلى دعم رسمي ومجتمعي عاجل، لتعزيز قدراته التشغيلية وتوسيع طاقته الاستيعابية، بما يضمن استمرار تقديم الرعاية المتخصصة للمرضى.
في السياق ذاته، يلفت مسؤول الإعلام الصحي بمكتب الصحة في تعز، تيسير السامعي، إلى أن السرطان أصبح من أخطر التحديات الصحية التي تهدد حياة الإنسان في اليمن. ويقول إن الإحصاءات المتراكمة تؤكد تزايد الإصابات عامًا بعد آخر، ما يستدعي وقفة جادة لإعادة التفكير في أساليب المواجهة، خصوصًا في جانب الوقاية.
ويؤكد السامعي أن حماية المجتمع، وخاصة الأطفال، تبدأ بتغيير نمط الحياة، والابتعاد عن مسببات المرض، مشيرًا إلى جملة من العوامل التي تسهم في تفشي السرطان، أبرزها المبيدات الزراعية التي تدخل البلاد دون رقابة حقيقية، والمعلبات المخالفة لمعايير الجودة، إلى جانب الانتشار المقلق للتدخين بين الشباب. كما لا يُغفل أثر نمط الحياة العصري، حيث قلّ النشاط البدني لصالح الاعتماد المفرط على التكنولوجيا.
وعلى المستوى العالمي، تشير منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لبحوث السرطان إلى أن نسبة كبيرة من حالات السرطان يمكن الوقاية منها. ووفقًا لتحليل عالمي حديث، فإن 37% من حالات السرطان الجديدة المسجلة عام 2022، أي نحو 7.1 ملايين حالة، ارتبطت بأسباب يمكن تجنبها، مثل التبغ والكحول والسمنة وقلة النشاط البدني وتلوث الهواء والأشعة فوق البنفسجية، إضافة إلى بعض أنواع العدوى.
وتوضح الدراسة، التي استندت إلى بيانات من 185 دولة وشملت 36 نوعًا من السرطان، أن التدخين لا يزال السبب الرئيسي القابل للوقاية، والمسؤول عن 15% من الإصابات الجديدة، تليه العدوى بنسبة 10%، ثم استهلاك الكحول بنسبة 3%. كما استحوذت سرطانات الرئة والمعدة وعنق الرحم على ما يقارب نصف حالات السرطان التي يمكن الوقاية منها عالميًا.
ويؤكد الدكتور الباوي، رئيس فريق مكافحة السرطان في منظمة الصحة العالمية، أن هذا التحليل يوضح بشكل غير مسبوق حجم المخاطر المرتبطة بعوامل يمكن تفاديها، مشددًا على أن توفير معلومات دقيقة وموجهة للحكومات والأفراد يفتح الباب أمام الوقاية من عدد كبير من الحالات قبل ظهور المرض.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السرطان في اليمن تحديًا صحيًا وإنسانيًا متصاعدًا، لا يمكن التعامل معه كملف طبي فقط؛ فالمواجهة الحقيقية تتطلب علاجًا مستدامًا، ووعيًا مجتمعيًا، وسياسات وقائية ورقابية جادة، قبل أن تتحول الأرقام المقلقة إلى واقع أكثر قسوة على حياة اليمنيين.







