الذكاء الاصطناعي يجبر كتّاباً وصحفيين على التحول لمهن يدوية: قصص من الواقع
يشهد سوق العمل تحولاً جذرياً حيث يضطر كتّاب وموظفون كانوا يعملون في وظائف مكتبية مستقرة إلى ترك مكاتبهم والاتجاه نحو المهن الحرفية واليدوية، بحثاً عن الأمان الوظيفي في ظل تزايد هيمنة الذكاء الاصطناعي على المهام المكتبية والتحليلية.
هذه الظاهرة ليست مجرد توقعات، بل واقع يعيشه متخصصون، مدعوماً بتقارير مثل تقرير وزارة التعليم البريطانية لعام 2023 الذي أشار إلى أن الوظائف الإدارية والمالية والقانونية هي الأكثر عرضة للتأثر بالأتمتة. ويبرز تقرير حديث لصحيفة "الغارديان" قصصاً إنسانية مؤثرة حول هذا التحول.
جاكلين بومان، التي حلمت بالصحافة منذ طفولتها وعملت ككاتبة محتوى، وجدت نفسها في مأزق عام 2024 بعد موجة تسريحات وإغلاق لمؤسسات إعلامية. بدأ العملاء يصارحونها باستخدام الذكاء الاصطناعي، وعُرض عليها تحرير محتوى مولّد آلياً بأجر مخفض للنصف. وجدت بومان نفسها تقضي وقتاً مضاعفاً في تدقيق الحقائق، حيث كان نحو 60% من المحتوى الآلي يحتوي معلومات مختلقة. وعندما تدهور وضعها المادي لدرجة عدم القدرة على تحمل تكاليف التأمين الصحي، قررت إعادة التدريب لتصبح معالجة أسرية وزوجية، معتمدة على دعم زوجها وقروض دراسية.
في السويد، اتخذت جانيت فينسترا، محررة أكاديمية متخصصة، قراراً مشابهاً. خافت من أن يصبح عملها زائداً عن الحاجة بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير الأبحاث، فقررت الالتحاق بمدرسة للطهي. رغم أن عملها الجديد في مخبز يدوي ممتع ومليء بالحركة، إلا أنها تعترف بأن الأجر أقل والعمل أكثر إرهاقاً، مشيرة إلى أن الانتقال من وظيفة مكتبية إلى حرفة يتطلب إعادة تعريف للمكانة الاجتماعية.
وتؤكد أنجيلا جويس، الرئيسة التنفيذية لكلية كابيتال سيتي بلندن، تزايد الإقبال على التخصصات الحرفية مثل الهندسة وفنون الطهي، مرجعة ذلك إلى بحث الخريجين عن وظائف يصعب أتمتتها. وبالمثل، ريتشارد، متخصص السلامة والصحة المهنية في إنجلترا، أمضى 15 عاماً قبل أن يعيد تدريب نفسه كمهندس كهربائي، متوقعاً أن يستغرق سنوات لاستعادة مستوى دخله السابق، رغم إدراكه أن المهارات اليدوية المعقدة لا تزال أكثر صموداً حالياً.
يؤكد خبراء مثل كارل بنيديكت فري من جامعة أكسفورد صعوبة أتمتة الأعمال اليدوية حالياً، لكنه يحذر من أن التأثير سيكون واسعاً. ويشير التحول العام إلى أن سوق العمل يعاد تشكيله، حيث تضغط التكنولوجيا على الوظائف المكتبية التقليدية، بينما يزداد الطلب على المهن التي تتطلب تفاعلاً بشرياً ومهارات يدوية دقيقة، حتى لو تطلب هذا التحول تضحيات مالية كبيرة.







